أكتوبر في المخيال العربي

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

لم يكن السادس من أكتوبر عام 1973 مجرد تاريخ عسكري في سجل الحروب العربية الإسرائيلية، بل لحظة مفصلية في الوعي الجمعي العربي، لحظة أعادت إلى الأمة بعضا من ثقتها المفقودة منذ نكسة 1967. مهما تخاصمت الحكومات والأنظمة تبقى الشعوب العربية مترابطة، متحابة ولو عن بعد، نجد ذلك في أحداث مثل المنافسات الدولية سواء في المجال السياسي أو الرياضي أو الفني. الشعوب العربية كلها تشجع الفائز من أبنائها، سواء كان مصريا أو سوريا أو جزائريا أو خليجيا.

في ذلك اليوم، 6 أكتوبر عبر الجندي المصري قناة السويس، أكبر مانع مائي في العالم، متحديا حسابات المستحيل، ومحطما أسطورة الجيش الذي لا يقهر، جيش الكيان الصهيوني التي صدقها العالم لسنوات. تجاوز الحدث المعركة الميدانية؛ كان العبور النفسي والمعنوي يوازي العبور العسكري ذاته. شعر العربي في كل مكان بأن كرامته المهدورة نهضت من تحت الركام، وأن الكبرياء الذي كاد يمحى من الذاكرة عاد ليتنفس من جديد. كانت معركة إرادة قبل أن تكون معركة عسكرية . أراد الاستعمار وربيبته إسرائيل كسر الإرادة العربية ولكن نهض الجندي العربي في مصر وسوريا وحطم الأسطورة.

في البيوت العربية، كانت الأسر تتحلق حول أجهزة الراديو، تتناقل أخبار العبور بشغف، وتتابع بيانات الحرب كأنها نبض القلب. لم تكن القاهرة وحدها التي تعيش المعركة؛ بل كانت العواصم العربية كلها تتنفس معها الإيقاع ذاته — من بغداد إلى الرباط .

كانت الأغاني الوطنية تبث في كل مكان ، والدموع تمتزج بالزغاريد، والناس يصيحون فرحا: لقد عبرنا، فقد أزاح الفعل البطولي للجندي المصري عن كاهل الأمة غبار الهزيمة الطويلة.

الطلاب العرب المبعوثون في الخارج عاشوا نشوة مختلفة. أولئك الذين كانوا يوارون انكسارهم في سنوات ما بعد النكسة، وجدوا أنفسهم يرفعون رؤوسهم عالية، يتحدثون بثقة عن الجيوش العربية، ويجدون في نظرات زملائهم الأجانب احتراما جديدا. كان النصر، في معناه الأعمق، نصرا للهوية والكرامة العربية التي عانت طويلًا من الإحباط والاغتراب.

كانت النشوة العربية حالة عامة بعد استعادة الثقة بالذات الجماعية . فبعد صدمة 1967، عاش العرب اكتئابا جماعيا: إحساس بالعجز، وشك في القدرة، وتراجع في الإيمان بالقيم القومية. وجاء نصر أكتوبر ليعيد الاتزان النفسي، ويرمم ما تصدع في الوعي الجمعي، ويقدم مثالا عمليا على أن الإرادة يمكن أن تغير المعادلات مهما كانت موازين القوى مختلة.

من الناحية السياسية، شكل النصر نقطة تحول في النظرة إلى الصراع العربي الإسرائيلي، وفي مفهوم القوة العربية ذاتها. إذ أدركت الشعوب أن الإرادة السياسية الموحدة قادرة على فرض معادلات جديدة، وأن العالم لا يحترم إلا القوي الذي يفرض حضوره. ومن هنا انطلقت مرحلة جديدة في الخطاب العربي.

يبقى أكتوبر في الذاكرة العربية أكثر من معركة؛ رمزا لقدرة العرب على تجاوز الإحباط حين تتوحد إرادتهم ، ودليل على أن الكرامة يمكن أن تستعاد، ولو بعد حين . ولهذا ، بقيت صور الجنود العابرين للقناة، وصرخات الفرح التي عمت العواصم العربية ، تشكل جزءًا من المخيال الجمعي الذي يعود إليه العرب كلما أرادوا أن يتذكروا: أننا، يوما ، عبرنا المستحيل.