قال طارق العوضي، المحامي وعضو لجنة العفو الرئاسي، إن النقاش الدائر حول قانون الإجراءات الجنائية ليس مجرد نقاش قانوني أو فني ضيق، وإنما يرتبط بمستقبل العدالة الجنائية في مصر، وبالحقوق والحريات العامة، وبمدى التزام الدولة باحترام تعهداتها الدولية، مؤكدًا أن جوهر القضية يتمثل في مدى احترامنا جميعًا حكامًا ومحكومين لأحكام الدستور الذي ارتضاه الشعب أساسًا لحكم البلاد.
العوضي: القانون المقترح لا يختلف في جوهره عن القانون القائم
وأوضح، خلال مؤتمر نقابة المحامين لعرض رؤيتها بشأن مشروع قانون الإجراءات الجنائية، أن لديه تحفظًا منهجيًا على فلسفة مشروع القانون، موضحًا أنه منذ بداية مناقشاته في صيغته الأولى، وقبل اعتراض السيد رئيس الجمهورية عليه، كان يرى أن المشروع لا يقدم رؤية جديدة تحقق نقلة نوعية في العدالة الجنائية، بل يعيد إنتاج نفس الفلسفة التقليدية التي تأسس عليها القانون القديم.
وقال إن القانون المقترح لا يختلف في جوهره عن القانون القائم، إذ ما زال يجمع بين سلطتي التحقيق والاتهام في يد النيابة العامة، وهو أمر يتنافى مع أبسط ضمانات العدالة، لأن الفصل بين السلطتين هو الأساس في تحقيق الحياد والنزاهة.
وأضاف أن ما تم الترويج له إعلاميًا عن أن القانون الحالي مضى عليه 75 عامًا دون تعديل هو مغالطة واضحة، لأن القانون جرت عليه أكثر من مائة تعديل تشريعي خلال تلك السنوات، وبالتالي فالدعوة لتغييره بدعوى التقادم وحدها ليست دقيقة ولا منصفة.
وأكد أن المطلوب لم يكن مجرد تعديل نصوص، بل فتح حوار مجتمعي واسع تشارك فيه كل القوى الحية من قضاة ومحامين وأكاديميين ومجتمع مدني، للوصول إلى قانون يوازن بين حق الدولة في إنفاذ القانون وحق المواطن في محاكمة عادلة. لكن ما جرى بحسب قوله هو تسرع في المناقشات، والاكتفاء بتعديلات شكلية قبل إحالة المشروع إلى الرئاسة، التي احتفظت به عدة أشهر ثم أعادته للبرلمان مع ملاحظاتها.
وتساءل العوضي: «هل استجاب مجلس النواب فعلا لاعتراضات السيد الرئيس؟ نعم، وافق عليها شكلا، لكنه لم يلتزم بفلسفتها ومضمونها. فالمطلوب هو أن تترجم تلك الاعتراضات إلى ضمانات حقيقية للحقوق والحريات، لا مجرد إعادة الصياغة في بعض المواد».
جوهر العدالة في مصر
وانتقد العوضي أداء البرلمان الحالي، معتبرًا أنه غير مؤهل في وضعه الراهن لإدارة نقاش تشريعي بهذه الخطورة، وقال: «نصف أعضاء المجلس يعلمون أنهم لن يعودوا في الدورة الجديدة، وبعضهم منشغل بأعمال أو انتخابات، فكيف يُنتظر من هذا المجلس أن يناقش قانونًا بهذه الأهمية؟».
وأشار إلى أن ما يحدث الآن يتطلب تدخلًا من مؤسسات الدولة كافة، وفي مقدمتها مؤسسة الرئاسة، لضمان ألا يتحول التصويت على القانون إلى مكايدة سياسية أو تمرير سريع دون نقاش مجتمعي حقيقي.
وختم العوضي تصريحاته قائلًا: المسألة ليست خلافًا حول نصوص قانونية فحسب، بل هي قضية تمس جوهر العدالة في مصر. نقابة المحامين ليست جهة تدافع عن أعضائها فقط، بل عن حق الدفاع ذاته، وهو ركيزة سيادة القانون. وإذا مُس هذا الحق فنحن نمس الدستور ذاته. علينا جميعًا أن نتعامل مع هذا الملف بمسؤولية وطنية تحفظ العدالة وتصون الدستور.