رسائل صانع القرار.. بين صوت الحكمة وحماية أمن مصر القومي

مصطفى عمار

مصطفى عمار

كاتب صحفي

فى حفل تخريج دفعة جديدة من كلية الشرطة، تحدث السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى بلغة حازمة مطمئنة: «أى خطر نستطيع التصدى له، لأن مفيش حد يقدر يعمل مع مصر حاجة خالص».. «عمرنا ما كنا بنتكلم بشكل فيه غُلو أو تعالى أو تفاخر»..

عبارات تبدو للوهلة الأولى امتداداً لخطاب الطمأنة الذى اعتاد عليه المصريون فى اللحظات الدقيقة والحرجة التى تمر بها البلاد أو المنطقة، لكنها فى جوهرها جزء من مشهد أوسع، تتحدث فيه الدولة المصرية خلال العامين الماضيين وبالتحديد عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، بعدة لغات ونبرات؛ تتراوح بين الدعوة لـ «الحل السلمى» والإشارة بـ «الجاهزية العسكرية» من أجل حماية الأرض المصرية وأمننا القومى، بين «الدبلوماسية الرصينة» والعرض الميدانى لـ «القوة والجاهزية» لطمأنة المواطن أن أرضه فى يد أمينة وشريفة، بين الثناء على جهود «الوساطة» والتحذير من تجاوز «الخطوط الحمراء» للأمن القومى.

هذا التنوّع فى الخطاب، استراتيجية محسوبة ترمى إلى توصيل رسائل متعددة لجمهور متعدد: الخصم، الحليف، والرأى العام المحلى والدولى.

من مؤسسة الرئاسة إلى وزارة الخارجية المصرية ورئيس الحكومة، ومن بيانات وزارة الدفاع إلى تصريحات محافظ شمال سيناء، تُوزّع القاهرة أدوارها بدقة شديدة وتنسيق شديد لم تشهده الدولة المصرية من قبل بهذه الدقة وهذا التناغم الكبير:

الرئيس عبدالفتاح السيسى يؤكد «لا أحد يستطيع المساس بمصر».

وزارة الخارجية المصرية تواصل التمسك بالحل السياسى ورفض التصعيد.

القوات المسلحة المصرية تستعرض جاهزيتها بتدريبات ومناورات مشتركة على مدار العامين الماضيين لطمأنة المصريين.

الإعلام المصرى بمختلف صحفه ومواقعه ومحطاته الفضائية ينقل إلى الداخل والخارج ما يرسّخ صورة الدولة التى لا تبحث عن حرب لكنها لا تفرّط فى أمنها. وهو ما يحسب للإعلام المصرى الذى قدم نموذجاً لحماية الأمن القومى المصرى والدفاع عن القضية الفلسطينية، وكان سبباً رئيسياً فى تغيير العديد من وسائل الإعلام العالمية أسلوب تغطيتها للحرب فى غزة؛ من الإدانة المطلقة لأحداث 7 أكتوبر، إلى الوقوف فى صف القضية الفلسطينية أمام الوحشية الإسرائيلية فى الانتقام، وإعادة طرح حل الدولتين مرة أخرى بعد سنوات من النسيان، وتبنى دول عديدة من العالم الغربى الاعتراف بدولة فلسطين؛ فى انتصار كبير للقضية الفلسطينية.

إنه توزيع نغمات محسوب بعناية، يترك لكل جهة لغتها التى تفهمها الفئة المقابلة، دون أن يُفقد الرسالة المركزية معناها: مصر قوية، متماسكة، ومنفتحة على الحلول، لكنها مستعدة لكل الاحتمالات.

يعرف صانع القرار المصرى أن الرسائل السياسية لا تُرسَل فى بيان واحد، بل عبر سلسلة من الإشارات المتكاملة. حين يتحدث الرئيس عن الثقة فى قدرة الدولة على ردع أى خطر، فهو لا يخاطب فقط الداخل الباحث عن الأمان، بل أيضاً القوى الإقليمية التى قد تسىء قراءة ضبط النفس المصرى. وحين تصرّح وزارة الخارجية المصرية بأن القاهرة مستمرة فى جهود الوساطة لإيقاف الحرب، فهى تقدم الوجه الدبلوماسى ذاته الذى يكمّل وجه القوة الصلبة، لا يتناقض معه. أما الجاهزية العسكرية، فهى لغة ميدانية تُخاطب من لا يفهم سوى منطق الردع.

الملاحظ أن القاهرة فى هذه المرحلة لا تتحدث كثيراً، لكنها حين تفعل، تختار كلماتها بدقة وتختار الخطاب المناسب لكل مشهد. إنها إدارة واعية للرسائل فى زمن الضوضاء السياسية، حيث أصبح الصوت الأعلى ليس دائماً هو الأقوى. حين يقول الرئيس السيسى «مفيش حد يقدر يعمل مع مصر حاجة خالص»، فهو لا يتباهى، بل يذكّر بحقيقة يعرفها الجميع. إن مصر التى واجهت الإرهاب، وخاضت حروباً دفاعاً عن حدودها وهويتها، وأدارت أزمات إقليمية بحكمة، لا يمكن أن تُؤخذ على حين غرة ولا يمكن أن تكون سوى مفتاح للحل وصوت العقل حتى وإن علا صوت القنابل والرصاص والدمار. إنها الدولة التى تعرف متى تلوّح بغصن الزيتون، ومتى ترفع سيفها، ومتى تُمسك بهما معاً.