فرامل المناعة ونوبل الطب
ظل العلماء حائرين لماذا يهاجم جهاز المناعة أحياناً خلايا وأنسجة أجسادنا نحن بدلاً من أن يركز اهتمامه فقط كما تملى عليه وظيفته على الفيروسات والبكتيريا وخلايا السرطان.. إلخ؟!، لماذا يخرج من جيش المناعة مجموعة من الخونة والعملاء يمسكون بالسلاح ويوجهونه نحو صدر الجسم الذى يؤويهم؟، لماذا نعانى من أمراض خطيرة كلها نتيجة هذه الخيانة المناعية مثل مرضى السكر والروماتويد وغيرهما من الأمراض التى نسميها مناعية؟!، تفسير هذه الخيانة وهذا الخلل حصل على «نوبل» فى الفسيولوجى، أو ما نطلق عليه نوبل فى الطب، المكتوب على موقع جائزة نوبل عن سبب الجائزة هو لأنهم اكتشفوا (تنظيم تحمّل الجهاز المناعى عبر الخلايا المنظمة Tregs وارتباط جين FOXP3).
ما هى القصة ببساطة؟ فى بدايات تطور جهاز المناعة، هناك ما يسمى التحمّل المركزى (central tolerance): الخلايا المناعية التى تُكوَّن فى الغدة الزعترية (thymus) التى توجد خلف عظمة القص تُختبر، وتلك التى تتعرف بقوة على الخلايا الذاتية (خلايا الجسم) يتم تدميرها، بعض الخلايا المناعية التى قد تهاجم جسمك تستطيع أن تتجاوز تلك الفلترة أو الغربال أو حالة التصفيّة المركزية، لذلك يحتاج الجسم إلى آلية إضافية لضبطها فى «المحيط» (بعد خروجها إلى الدم والأنسجة)، وهذه هى فكرة التحمّل المناعى المحيطى (peripheral immune tolerance)، ولكن ماذا اكتشف الثلاثة علماء لكى يحصلوا على «نوبل»؟، من الممكن أن نقول إنهم أسهموا إسهامين أو فتحوا طريقين؛ الطريق الأول اكتشاف نوع خاص من الخلايا، اسمها الخلايا التنظيمية Regulatory T cells أو Tregs.
فى التسعينات، العالم اليابانى شيمون ساكاغوشى فكر أن هناك خلايا فى الجهاز المناعى تعمل كـ«ضوابط» فرامل (brakes) تمنع الجهاز من أن يهاجم الذات، أجرى تجارب على الفئران أظهرت أنه إذا تُركت بعض الفئران بدون هذه الخلايا، فإنها تطوّر أمراضاً مناعية تلقائية (أى إن جهاز المناعة يهاجم الأنسجة)، من خلال تحليله، عرّف فئة من الخلايا التى تحمل على سطحها بروتينات مميزة (مثل CD4 وCD25) والتى تعمل على كبح استجابة الجهاز المناعى، هذه هى خلايا (Regulatory T cells Tregs)، وظيفة هذه الخلايا أنها «تراقب» الخلايا المناعية الأخرى وتوقفها إذا بدأت فى مهاجمة أنسجة الجسم، الطريق الثانى هو تحديد الجين المركزى الذى ينظم هذه الخلايا، جين اسمه FOXP3.
بعد أن عرفوا أن هناك خلايا منظمة مهمة، كان السؤال: ما الذى يجعل الخلية تكون «منظمة»؟ أى ما الجينات والعوامل التى تدير هذا السلوك؟ ما هو مفتاح التشغيل؟، فى عام 2001، مارى برنكو وفريد رامسديل اكتشفا أن الفئران التى تُعرف بـscurfy mice (فئران مريضة تظهر عليها أعراض شديدة، كالجلد المتقشر وتضخم الطحال والغدد اللمفاوية) لديها طفرة فى جين جديد، أُطلق عليه لاحقاً اسم FOXP3، ووجدا أن هذه الطفرة تجعل الفئران تفشل فى تكوين خلايا تنظيمية مناسبة، مما يؤدى إلى أن الجهاز المناعى يخرج عن السيطرة ويهاجم الجسم نفسه، ما هى الفائدة التى ستعود علينا من هذا الاكتشاف؟، فى عمليات زرع الأعضاء أكبر صعوبة هى رفض العضو المزروع، من الممكن أن نعلم الجسم التسامح مع هذا العضو مثلاً بزيادة عدد خلايا Tregs فى جسم المريض قبل أو بعد الزرع، أو نقل خلايا Tregs جاهزة من المختبر إلى المريض، فى السرطان نحتاج أحياناً نقلل نشاط الخلايا المنظمة (Tregs) حتى نسمح لجهاز المناعة أن يهاجم الورم بحرية، فى بعض التجارب العلاجية يجربون أدوية تستهدف FOXP3 أو تمنع Tregs من دخول الورم، الهدف «رفع فرامل» جهاز المناعة ضد السرطان، بالنسبة للأمراض المناعية بعد اكتشافها، العلماء بدأوا يفكرون لو الأمراض المناعية تحدث لأن الفرامل (Tregs) ضعيفة أو قليلة، إذاً ممكن نعالجها بـ:
1. زيادة عدد خلايا Tregs فى المريض (عن طريق نقلها أو تحفيزها).
2. تنشيط الجين FOXP3 أو مساراته؛ علشان نكوّن خلايا Tregs جديدة.
المعامل هى بيوت العلم الحقيقية، بدونها الحياة تصبح جفافاً وصحراء قاحلة، كل المجد للعلماء الحقيقيين.