«ربك إذا كلف أعان».. «تامر» يتحول إلى عكاز لصديقه من الدراسة إلى التخرج
«ربك إذا كلف أعان».. «تامر» يتحول إلى عكاز لصديقه من الدراسة إلى التخرج
لم يكن «تامر الكفوري» صديقا فحسب لـ«أحمد إبراهيم»، بل كان عكازًا يستند عليه، وقدمًا بديلة عن قدمه المريضة، ورفيق دربه، وطبيبه وقت مرضه، وسنده حين يميل به التعب، وصوته حين يثقل الكلام على شفتيه، لقد حمله قلبًا قبل أن يحمله جسدًا، ورآه خليلًا صادقًا لا يتركه بمفرده، فأموالهما وحزنهما وفرحهما وطعامهما واحد، ليضرب الصديقان أحمد إبراهيم وتامر الكفوري مثالًا يحتذى به في الصداقة والتضحية.
شهدت إحدى قرى محافظة كفر الشيخ، وتحديدًا عام 2011، حالة تأهب كبرى لدى أسرة «أحمد»، التي كانت تنتظر نتيجة تنسيق الثانوية الأزهرية، جاءت النتيجة سعيدة ممزوجة بالصدمة؛ إذ التحق ابنهم بكلية الصيدلة في أسيوط.
انتظار نتيجة التنسيق
لم تدم فرحة الأسرة كثيرًا، فمن المستحيل أن يذهب «أحمد» ويقطع مسافة 555 كيلو متر من كفر الشيخ إلى أسيوط، وهو على كرسي متحرك إثر مرضه بالتهاب مزمن في الأعصاب الطرفية، جعله قعيدًا يفعل كل شئ بصعوبة، ويحتاج إلى أسرته دائمًا بجانبه.
محاولات عديدة لنقل «أحمد» لكلية قريبة من بلده، جميعا باءت بالفشل، وكاد أن يتملك اليأس منه، وفكر في التحويل إلى كلية أخرى ليست بعيدة، حتى قرر أن يقوم بمحاولة أخيرة قبل الاستسلام.
يروي «أحمد» لـ«الوطن» أنه بدأ يسأل زملائه عن التحاق أحدهم بكلية الصيدلة جامعة الأزهر بأسيوط، وأخبره زميله عن بعض الأشخاص من بينهم «تامر»، وحصل على رقم هاتفه، ودارت بينهما مكالمة مدتها دقائق قليلة.
بداية تعارف أحمد وتامر
«شوفت تامر مرة أو مرتين فقط في الدروس، ولما سألت وعرفت إنه هيكون معايا في الكلية، كلمته وعرفته بنفسي حكيتله ظروفي، وإني فعلاً محتاج مساعدته، وطلبت منه يتحمل مسئوليتي بشكل مباشر، لأني بحتاج اللي يساعدني في كل حاجة، قولتله لو مش هتقدر تتحمل قول ماتتكسفش ده مافيهوش كسوف»، هكذا تحدث «أحمد» عن المكالمة الأولى بينهما، مؤكدًا أن صديقه رحب به، ووعده بالوقوف بجانبه في كل شئ يحتاجه.
من شمال الدلتا بكفر الشيخ إلى وسط الصعيد، اصطحب «أحمد» والده لتقديم ملفه بالكلية، واستعان بأحد معارفه ليعثر على سرير في غرفة بالقرب من دراسته، وحين ذهب رفقة أبيه إلى الجامعة وجد الصدمة.
لا تكمن المشكلة في الذهاب إلى الكلية فقط، بل صعود السلم، والتنقل من قاعة لأخرى، وحياة المغترب التي تتطلب الاعتماد على نفسه في كل شئ، من ملبس ومأكل واحتياجات أخرى.
معاناة «أحمد» من كفر الشيخ لأسيوط
عاد الأب ونجله إلى كفر الشيخ مرة أخرى، وخيبة الأمل تكسو وجوههما، ومكث «أحمد» شهرًا بالبيت، لكنه هزم الظروف، ورجع لكليته رفقة والده، وأقنع زملائه الموجودين معه في السكن، بضرورة عودة أبيه إلى بيته ليرعى مصالح باقي أفراد الأسرة.
«رجع والدي لكفر الشيخ، وقتها ماكنتش ساكن مع تامر، كان بيجيلي كل يوم يساعدني في اللبس، ويشيلني ينزلني من البيت لتحت، وبعد كده ياخدني للكلية بالكرسي المتحرك، وبعد أما نوصل الكلية يشيلني تاني من الدور الأول للخامس علشان المحاضرات»، وفقا لحديث «أحمد».

مر العام الأول، ويحاول «تامر» كثيرًا التواجد مع «أحمد» تاركًا سكنه، وفي السنة الثانية، جمعتهما غرفة واحدة، وبات الأمر أسهل.
كيف كان يومهما في الجامعة؟
تجدهما يوميًا في قلب الحرم الجامعي، ووسط الزحام للطلاب، يحمل «تامر» صديقه بكل قوة وحب، دون أي ملل أو تأفف، بل لم يكن يقبل أن يحتاج «أحمد» للمساعدة من غيره مراعاة لكرامته.

«تامر ماكنش بيخلي حد يساعدني غيره، ولما كنت بطلب مساعدة من حد كان بيضايق، ويقولي طول منا موجود ماتطلبش حاجة من حد، عشنا مع بعض 5 سنين بنفس الطريقة، وتامر موجود معايا طول الوقت، كأننا روح واحدة متفرقة في جسده»، هكذا وصف «أحمد» علاقته مع صديقه طوال الـ 5 سنوات.

استمرار الصداقة رغم انتهاء الدراسة
مرت الأيام سريعًا، وتخرج الصديقين من كلية الصيدلة، افتتح «أحمد» صيدليته بالقرب من أسرته في كفر الشيخ، أما «تامر» فحياته استمرت بالقاهرة، حيث مكان عمله، ولكن علاقتهما ما زالت قوية، ولم تفرقهما الأيام، فكثير ما تجمعهما المناسبات، أو يذهبان معًا لقضاء إجازة المصيف، وما زال «تامر» يساعد صديقه في كل شئ، رغم افتراق كل منهما.
وبحسب حديث «أحمد»: «لما كنت بسأل هو تامر بيعمل كده ليه ماكنتش بلاقي إجابة مقنعة، لكن أنا لاحظت إن دي طبيعية شخصيته مع كل اللي حواليه، وحقيقي هو أكتر من أخويا، وبتمنى إننا نفضل صحاب طول العمر».