مصر.. الغطاء الذهبي للسلام

٧٣٠ يوماً مرت على حرب الإبادة، وقد تعمَّدت حسابها بالأيام وليس بالسنين، لأن كل يوم كانت تفقد فلسطين عشرات من أطفالها وشبابها ونسائها وعجائزها، حصيلة الضحايا اقتربت من المائتى ألف، وكان يفقد العالم معها جزءاً من إنسانيته، وكاد رصيده من الإنسانية ينفد وهو يقف صامتاً أمام المجازر والمذابح اليومية التى كانت ترتكبها قوات الاحتلال.

لكن وسط هذا الصمت العالمى، وضجيج القنابل ودوى المدافع، كانت مصر تتحرك، وتُحرِّض دول العالم على التحرك لوقف هذه الحرب بل وإنهائها، والاستماع إلى صوت السلام، الذى تجيد مصر صناعته وممارسته، بل وحمايته.

لم يتوقف الرئيس السيسى يوماً واحداً عن التحرك وإجراء الاتصالات واستغلال علاقات وثقل مصر لوقف الحرب والجلوس إلى مائدة المفاوضات، والاستماع لصوت السلام، وإنهاء ضجيج السلاح الذى أثبت التاريخ أنه لا يحل قضية ولا يؤدى إلى سلام ولا أمن ولا أمان.

الحكمة المصرية وإرادة السلام، والثبات على الموقف المستند إلى الحق والعدل والقوانين الدولية، والانحياز إلى شرعية قرارات الأمم المتحدة، والتمسك بحماية الأمن القومى المصرى والعربى، كل هذا هو الذى أفضى فى النهاية إلى الوصول إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وحماية أشقائنا فى فلسطين، ووقف نزيف الدماء.

ومع نشر هذه السطور يدخل الاتفاق الذى تم فى شرم الشيخ لوقف إطلاق النار بين قوات الاحتلال وحماس حيز التنفيذ، وبدء انسحاب إسرائيل من غزة، وبدء تدفق المساعدات الإنسانية والغذائية والطبية إلى القطاع، وهذه هى الخطة العاجلة التى طالما سعت إليها مصر.

نعم مصر هى السبب الرئيسى والعمود الفقرى والمبتدأ والخبر للتوصل إلى هذا الاتفاق منذ أن:

- رفضت التهجير القسرى لأهل غزة إلى سيناء أو أن تكون منفذاً للتهجير إلى مكان آخر.

- عندما رفضت المساومة بين غضِّ الطرف عما يحدث فى غزة، وإسقاط ديونها، وزيادة المساعدات الأمريكية، أو إلغائها!

- عندما سارعت بعقد القمة العربية الإسلامية لمواجهة حرب الإبادة والدعوة إلى وقفها.

- عندما كثَّفت اتصالاتها بالولايات المتحدة، وحثها على لعب دور أكبر والتدخل لوقف الحرب، من منطلق أنها الدولة القادرة على لعب هذا الدور.

- عندما عرضت القضية الفلسطينية بحكمة ودراسة فى كل المحافل الدولية، واستطاعت أن تغير بوصلة دول كثيرة من دعم إسرائيل اللامحدود إلى التعاطف مع الفلسطينيين وقضيتهم وحقوقهم المشروعة.

- عندما تعاملت بحكمة وثبات انفعالى يليق بمكانتها ودورها، حينما تجاوز «الحية»، القيادى فى «حماس»، فى حقها واتهمها بأنها مُقصِّرة وقاد تظاهرات أمام سفارتنا فى تل أبيب، بل استضافته على أرضها وحمته لاستكمال دورها فى الوساطة لمفاوضات وقف إطلاق النار.

- عندما تعاملت مع الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة بحكمة وقوة، سواء تجاه التصريحات الكاذبة حول إغلاق معبر رفح من الجانب المصرى، أو تجاه خرق معاهدة السلام بنشر قواتها فى فيلادلفيا، وفوَّتت على العدو نقل المعركة وشغل الرأى العام العالمى ليكون الصراع بين مصر وإسرائيل.

- عندما لم تسمح مطلقاً بالمساس بالأمن القومى المصرى، والتأكيد على قدرتنا وجاهزية جيشنا العظيم لحمايته، والدفاع عنه، وذلك عبر رسائل صريحة، وجَّهها الرئيس السيسى علانية فى قمم ومحافل دولية، وأقتبس من أقواله «للعدو الإسرائيلى»: «القوة لا تصنع السلام، ولكن السلام يحتاج إلى قوة تحميه»، «إن اتفاقيات السلام لن تكون أبدية إذا تم خرقها».. وأيضاً من خلال مواقف الرئيس التى حافظت على كرامة مصر وكرامة المصريين وأظهرت قوتها، وذلك عندما اعتذر مرتين عن عدم قبول دعوة الرئيس الأمريكى ترامب لزيارة البيت الأبيض.

كل ذلك حدث دون أن تدخل مصر فى مغامرة غير محسوبة ودون أن تخسر أحداً من شركائها أو أصدقائها أو حتى أعدائها، وهنا تكمن حكمة القيادة السياسية، التى دائماً ما تكون خطواتها وكلماتها وتحركاتها محسوبة طبقاً لـ«تقديرات الموقف» مسبقاً دون تهويل أو تهوين.

ما وصل إليه التفاوض وما نتج عنه من اتفاق لإنهاء الحرب كانت وراءه مصر.

تُثبت مصر كل يوم أنها الغطاء الذهبى للسلام، ليس فقط فى المنطقة، بل فى العالم، حتى لو ذهبت نوبل للسلام إلى ترامب، فمصر تبحث عن نتائج إيجابية لمصلحة المصريين والشعوب العربية، والقضية الفلسطينية، حتى يعود الحق لأصحابه وتقام الدولة الفلسطينية على أرضها وتكون عاصمتها القدس الشرقية، ولم تبحث أبداً عن جوائز.