إنها بلدى «مصر» العزيزة، ووطنى الغالى الذى أفتخر به، صورتها مشرفة، قوتها معروفة، كلمتها مسموعة، مكانتها محفوظة، لى الحق فيما أقول عنها وأتباهى بها، دورها -المساند للقضية الفلسطينية- عظيم، أجهزتها الأمنية وطنية وعظيمة، جيشها المهيب عظيم، رئيسها -وزعيمها- عظيم، شعبها -الذى وثق فى قيادته- عظيم.
كانت هذه الكلمات لا بد منها، كلمات للتفاخر بالوطن الذى طعنوا فى دوره، كلمات أقولها لأضعها فى عين الخبثاء الناقمين على الدور المصرى الرائد الداعم للقضية الفلسطينية على طول الخط، كلمات للرد على أصحاب القلوب السوداء الذين سبوا ولعنوا وهاجوا وماجوا -بالباطل وبالضلال- ضد «مصر» رغم جهودها الدبلوماسية والسياسية والإنسانية للدفاع عن أهالى غزة، كلمات أقولها لتوجيه لوم شديد اللهجة لمن كان فى قلوبهم مرض تجاه «مصر» الدولة التى تصدت لأكبر محاولة إسرائيلية لإحداث نكسة جديدة للقضية الفلسطينية التى كانت على مقربة من ضياعها رسمياً وتصفيتها دون رجعة.
يااااااه، على مدار عامين كاملين، جهود مستمرة بلا كلل ولا ملل للتأكيد أن «مصر» لن تقبل بإهدار الحق التاريخى للشعب الفلسطينى فى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على أراضى (ما قبل الخامس من يونيو ١٩٦٧) طبقاً لقرارات الشرعية الدولية.
دافعت «مصر» عن فلسطين وشعبها، وتمسكت بضرورة تنفيذ قرارات الشرعية الدولية رغم ما تعانيه المنظمات الدولية من عجز ملحوظ وتقييد متعمد وإفشال دورها فى الدفاع عن الحق والعدل، مباراة طويلة دخلتها «مصر» جنباً إلى جنب السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية وقطاع غزة وضد إسرائيل، كنا نعرف جيداً أن هذه المباراة الطويلة ستكون نهايتها فى صالح الفلسطينيين، لكننا -فى نفس الوقت- كنا ندرك أننا فى مباراة صعبة والمنافس طماع وعنيف وقاتل ومجرم ومصاص دماء ويلقى مساندة من خارج أرض الملعب، لكننا كنا حريصين على الثبات على الموقف.
أدركنا أن إسرائيل لديها استراتيجية جديدة تحاول تنفيذها، استراتيجية النفس الطويل، فتمسكنا بالعزيمة والإصرار وبقرارات الشرعية الدولية وهى تمثل قوة إضافية لنا. عقدنا لقاءات كثيرة مع الدول الفاعلة فى الاتحاد الأوروبى. خاطبنا الدول الكبرى المعنية بالأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط.
لجأنا لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، لم نفرط، لم نيأس، لم نرضخ لضغوط، كان بأسنا شديداً، فى أوقات معينة تعاملنا بدبلوماسية، وفى أوقات أخرى أظهرنا العين الحمراء، وفى أوقات أخرى تعاملنا بحسن نية، وفى أوقات أخرى قَدمنا السبت لكى نرى الأحد، وفى أوقات أخرى نظرنا لكوب الماء الممتلئ، لأننا نعلم أننا -فى نهاية المطاف- سنكسب القضية وسنربح المباراة.. قضيتنا: بقاء فلسطين بشعبها وأرضها، وأن نكسب مباراة ضد إسرائيل اعتبروها هى المباراة الفاصلة التى سينتج عنها تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتصفية القضية الفلسطينية.
فى سبيل كسب المباراة، استعانت «مصر» بحكام كثيرين مستقلين، جعلناهم ينظرون للحقيقة ويشاهدونها أمام أعينهم، جئنا بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش ليشاهد معبر رفح وهو مفتوح على مصراعيه من الجانب المصرى وليشاهد آلاف شاحنات المساعدات الإنسانية وهى تنتظر الدخول لقطاع غزة وتمنع إسرائيل دخولها.
أدركنا أن هذه خطة محكمة فقمنا بتنفيذها مرات عديدة مع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، ووزير الخارجية التركى هاكان فيدان، وعدد كبير من أعضاء الكونجرس الأمريكى -جمهوريين وديمقراطيين- ومعهم السفيرة الأمريكية بالقاهرة، وقادة العالم والمسئولين بالاتحاد الأوروبى والوزراء الكبار لدول فاعلة، حيث جاءوا جميعاً لمعبر رفح وتأكدوا أن مَن يتسبب فى تجويع ٢٫٣ مليون فلسطينى فى قطاع غزة هى إسرائيل.
هكذا قال «توم فيلتشر»، الوكيل العام للأمم المتحدة. منظمة الأونروا قالت كلمتها واتهمت إسرائيل بالتسبب فى موت الأطفال الصغار والسيدات.. بصراحة: كانت هناك حرب فى داخل قطاع غزة وحرب أخرى من نوع آخر تجرى خارج قطاع غزة.
ضغوط -علينا- وراءها ضغوط، ألاعيب وراءها ألاعيب، كذب -ضدنا- وراءه كذب، وللأسف وجدت إسرائيل معاونين لها ممن قالوا: «على القدس رايحين شهداء بالملايين»، تحالفوا معهم، التصقوا بهم وأصبحوا كياناً واحداً هدفه النيل من الجهود المصرية، لكن حبطت أعمالهم جميعاً، انكشف مخططهم، ووقعوا معاً فى الحفرة التى حفروها بأيديهم لنا، تمت تعريتهم علناً وافتضح أمرهم وأصبحت إسرائيل فى عزلة دولية وأصبحت الجماعة الإرهابية مفضوحة مكشوفة مأجورة كما هى، وفقدت آخر «ورقة توت» كانت تستر عورتها، وسارت «مصر» فى طريقها الشريف الرصين المدافع عن حق الشعب الفلسطينى.
فى شرم الشيخ كان مشهد النهاية رائعاً، فى مدينة السلام اجتمع القادة لإتمام المفاوضات التى تمت بعد أن عرض الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خطته للسلام، جاء الرجل القوى وعقل بنيامين نتنياهو «رون ديرمر»، وزير الشئون الاستراتيجية الإسرائيلى ومعه وفد التفاوض الإسرائيلى، جاء ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس ترامب للشرق الأوسط، ومعه جاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس «ترامب» ومعه وفد التفاوض الأمريكى، جاء مدير المخابرات التركى إبراهيم كولن ومعه وفد التفاوض التركى، جاء الشيخ محمد بن عبدالرحمن، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطرى ومعه وفد التفاوض القطرى، وحضرت وفود حركة حماس والجهاد الإسلامى والجبهة الشعبية.. وحضرت «مصر» برجالها وبكلمتها وبثقلها.. كان الجميع على يقين من أن هناك بوادر طيبة لإتمام خطة «ترامب» للسلام، بصراحة: فى البداية كانت موافقة حركة حماس على خطة «ترامب» سبباً مباشراً فى سهولة المفاوضات، فالكل أراد السلام، ودعم الدول العربية والإسلامية لخطة «ترامب» ترك أثراً إيجابياً على سير المفاوضات، سيخرج الجيش الإسرائيلى من غزة ولن يتم ضم الضفة الغربية، ستدخل المساعدات الإنسانية، سيتم تبادل الأسرى من الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى، ستقف الحرب، والأهم: سيعود الهدوء للمنطقة وسيبقى الفلسطينيون على أرضهم فى أمان وسلام.
هنيئاً لأهالى غزة وقف الحرب، فقد صمدتم، تحملتم الكثير، وجودكم على أرضكم هو كلمة السر، بقيتم على أرضكم، فبقيت قضيتكم نابضة وحاضرة لأبد التاريخ. هنيئاً لمصر ولشعبها العظيم، فقد تأكدتم أن لديكم رجالاً شرفاء وأمناء على «مصر» وعلى القضية الفلسطينية، رجالاً لا يرتضون بالظلم، رجالاً لا يبيعون بل يضحون، رجالاً عالمين بكيفية حماية الأمن القومى المصرى ومجابهة التهديدات، رجالاً فى وقت الشدة تجدهم أسوداً لا يهابون شيئاً إلا الدفاع عن مصر وأمنها وحدودها.