مصر والسعودية.. علاقة تقاوم العواصف وتبني المستقبل

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

وسط كل ما تشهده المنطقة العربية من تحديات، وتقلبات، ومؤامرات أيضاً، يمكن رؤيتها بالعين المجردة، تبرز العلاقات المصرية السعودية كنموذج فريد فى العالم العربى.

هذه العلاقة بين البلدين لا تقوم فقط على أساس المصالح المؤقتة، أو الحسابات الآنية الضيقة، لكنها مرتبطة بمحددات تاريخية، وجغرافية، ودينية، وثقافية متجذرة.

وتبرز هذه العلاقة الثنائية، خاصة فى أوقات الشدة، وفى اللحظات الحاسمة، لتُطمئن شعبَى البلدين، وبقية الشعوب العربية، أنها حجر الزاوية للأمن والاستقرار الإقليمى.

ومن حُسن حظ المنطقة أن على رأس البلدين الكبيرين الآن قادة مدركون تماماً لأبعاد التطورات السياسية المتلاحقة التى تمر بها المنطقة، وأن تعميق الشراكة، بل وإبرازها إذا لزم الأمر، من ضروريات المواجهة.

وهذه الشراكة بين مصر تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، والسعودية تحت قيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولى عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، دخلت عصراً ذهبياً جديداً، قوامه روح الإخاء، والمحبة، والتفاهم العميق، والوعى الحاد بمحاولات كسر هذا التحالف الذى يمثل خط الدفاع الأول عن الصف العربى.

ولا يمكن فهم عمق العلاقات المصرية السعودية دون النظر إلى طبيعة تركيبتها الفريدة، فمصر بثقلها التاريخى، وحضارة شعبها، وكثافته التى تجاوزت الـ100 مليون نسمة، وقوتها العسكرية والدبلوماسية المؤثرة، وموقعها الجيواستراتيجى، تمثل «قلب الأمة العربية النابض».

وفى المقابل، تقف السعودية بثقلها الدينى كـ«قبلة للمسلمين» فى العالم كله، وقوتها الاقتصادية الهائلة كأكبر منتج ومُصدِّر للنفط على هذا الكوكب، وهو ما أكسبها وزناً سياسياً ودينياً يمتد إلى ما وراء حدود المنطقة.

هذا التكامل فى المقومات هو «بيت القصيد» فى العلاقة بين القاهرة والرياض، لأنه ليس مجرد تحالف بين دولتين، لكنه يقدم الصورة الأكثر وضوحاً لاندماج مقومات القوة العربية الشاملة فى مواجهة التحديات.

فى الوقت الذى كانت «تترنح» خلاله المنطقة من آثار ما يسمى بـ«الربيع العربى»، تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى قيادة مصر فى لحظة بالغة الحساسية، حيث كانت تواجه تهديدات وجودية على جبهات متعددة، سياسية، وأمنية، واقتصادية، وهنا برزت حكمة القيادة السعودية، بقيادة الراحل العظيم «العروبى» الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذى أدرك أن استقرار مصر هو الضمانة لاستقرار المنطقة بأكملها.

وقامت المملكة بدورها المشهود كظهير سياسى واقتصادى لثورة 30 يونيو، واستكمل الملك سلمان، وولى العهد الأمير محمد، هذا الدور، لتصل الرسالة الواضحة، أن السعودية تقف خلف مصر فى سعيها لإعادة البناء والاستقرار.

واستعادت مصر عافيتها سريعاً، وقامت بدورها «الطبيعى» كأقوى مساند للمملكة فى مواجهة التحديات الإقليمية المحيطة بها، وشاركت بقوة فى تأمين البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لتجسد عملياً مبدأ الدفاع المشترك عن الأمن القومى العربى.

أدرك قادة البلدين أن مواجهة هذه التحديات تتطلب جبهة عربية موحدة، وأن أى اختراق لأحد الركنين (مصر أو السعودية) نتيجته الحتمية هى إضعاف الكل العربى، ودخول المنطقة إلى غياهب المجهول.

ما يميز العلاقة بين الرئيس السيسى والملك سلمان وولى عهده الأمير محمد بن سلمان هو ذلك الحس الإنسانى العميق الذى يتجاوز البروتوكولات الرسمية، فالزيارات المتبادلة المتكررة، والتى أصبحت سمة بارزة للمرحلة الحالية، تجاوزت حدود الأداءات الدبلوماسية المتعارف عليها، إلى لقاءات بين إخوة وشركاء فى المصير، لتنقل صورة واضحة عن التفاهم والتوافق على الرؤى، سواء فى جلسات العمل المغلقة، أو فى الاستقبالات الحارة التى تعبر عن عمق العلاقة.

ولا تخفى على قيادتى البلدين الحروب الإعلامية والمحاولات المستميتة من قبَل بعض الأطراف الإقليمية والدولية، لزرع بذور الشقاق بين مصر والسعودية.

هذه المحاولات، التى لا تبدأ بإثارة ملفات تاريخية مثيرة للجدل، ولا تنتهى بافتعال وجود خلافات سياسية فى بعض القضايا، كلها تهدف إلى شىء واحد، اختراق الصف العربى وإضعاف محور «المقاومة» الذى تشكله هذه الشراكة بين البلدين الكبيرين.

التنسيق الاستراتيجى العالى بين الرئيس السيسى والأمير محمد حوَّل كل هذه المحاولات إلى فرص لتعزيز الثقة والتعاون، وبمنتهى الحكمة والاقتدار يتم التصدى لأى شائعة، واحتواء الأزمات المفتعلة قبل أن تتفاقم، وكشف اللاعبين على حبال التناقضات الوهمية.

أصبحت العلاقات المصرية السعودية فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، والملك سلمان بن عبدالعزيز والأمير محمد بن سلمان، محصَّنة تماماً، وقد تجاوزت مفهوم التحالف التقليدى إلى مفهوم الشراكة المصيرية.

العلاقة الآن تقوم على أساس متين؛ التوافق الاستراتيجى، والرؤية المشتركة للمخاطر والتحديات، والأهم من ذلك، الثقة المتبادلة، والمحبة الشخصية بين قادة البلدين.

وفى عالم مضطرب ومنطقة تتشكل فيها التحالفات وتتهاوى بسرعة، تبقى هذه الشراكة صامدة، كأنها رسالة للعالم بأن الإرادة العربية عندما تلتقى على مصلحة الأمة فإنها قادرة على حفظ الحقوق، وصناعة المستقبل كما نراه نحن، وليس كما يخطط له الآخرون.