علاء عابد يكتب: مصر تصنع السلام

كاتب صحفي

على امتداد التاريخ الحديث لم تغب مصر يوماً عن المشهد الفلسطينى، فبينما تتغيَّر الخرائط وتتبدَّل التحالفات، ظلَّت القاهرة تمسك بخيوط الوساطة، وتجمع المتخاصمين على طاولة واحدة لتُعيد للعقل صوته وسط أصوات المدافع. وقد نجحت مراراً فى إبرام اتفاقات وقف إطلاق النار، وأثبتت أن سياستها الخارجية، القائمة على الاتزان والحكمة، قادرة على صناعة السلام وحماية استقرار المنطقة بأكملها.

وتستند الوساطة المصرية إلى «إرث تاريخى» طويل جعل من القاهرة لاعباً رئيسياً فى كل أزمة عربية كبرى، فمنذ معاهدة كامب ديفيد عام 1978، وحتى اتفاقات التهدئة المتكرِّرة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية فى أعوام 2008، 2012، 2014، 2021، ثم 2023، كانت مصر هى الطرف القادر على الجمع بين النقيضين، وصلاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا والعواصم العربية، تلعب الدور الكبير لتكون مفتاح التهدئة فى زمن التصعيد.

ومنذ تولى الرئيس القائد عبدالفتاح السيسى المسئولية أدرك أن استقرار المنطقة يبدأ من القاهرة، وأن مكانة مصر تُصان بقدرتها على نزع فتيل الأزمات لا بإشعالها. بتوجيهاته الحاسمة تحركت أجهزة الدولة المصرية بسرعة وفاعلية لوقف نزيف الدم فى غزة منذ اليوم الأول (7 أكتوبر 2023)، عبر تنسيق دبلوماسى وأمنى متكامل مع جميع الأطراف، من تل أبيب وغزة إلى واشنطن والدوحة.

وقد شدَّد الرئيس السيسى فى كل مناسبة على أن القيمة الحقيقية لأى تهدئة تكمن فى حماية المدنيين، فربط بين وقف إطلاق النار وتدفق المساعدات الإنسانية وبدء الإعمار ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطينى. بفضل هذه الرؤية الإنسانية قبل السياسية، تحولت مصر فى عهده إلى قلب الوساطة الإقليمية، وصوت العقل فى زمنٍ تغلب عليه لغة القوة. لقد أعاد الرئيس إلى الدبلوماسية المصرية روحها التاريخية.. «المبادرة لا الانتظار، وصناعة السلام لا الاكتفاء بتلقِّى نتائجه».

فعلى امتداد ما يزيد على عقد ونصف من الصراع المتكرر فى غزة، ظلَّت مصر هى اللاعب الثابت وسط مشهد متغيِّر، تتدخل فى كل جولة تصعيد لتضع حداً للنزيف وتعيد التوازن إلى الميدان، فمن هدنة عام 2008 التى أوقفت العدوان الإسرائيلى الأول على القطاع، مروراً بوساطتها الناجحة فى اتفاق نوفمبر 2012، ثم دورها المحورى فى تهدئة حرب 2014 التى استمرت 51 يوماً، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار فى مايو 2021، وهدنة ديسمبر 2023 بفضل جهود المخابرات العامة المصرية وتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى. وفى إنجاز دبلوماسى جديد يُحسب لمصر وزعيمها الرئيس السيسى الذى قال: «من شرم الشيخ، أرض السلام ومهد الحوار والتقارب، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب فى غزة بعد عامين من المعاناة، وفقاً لخطة السلام التى طرحها الرئيس ترامب، وبرعاية مصر وقطر والولايات المتحدة الأمريكية».

الاتفاق الذى أُعلن عنه رسمياً من مدينة شرم الشيخ جاء تتويجاً لدور مصرى متوازن قادته القيادة السياسية بحكمة واقتدار، بهدف حقن دماء الفلسطينيين ووقف العدوان الذى أدخل المنطقة فى دوامة من التوتر وعدم الاستقرار، وأعاد التأكيد على أن مصر قادرة على تحويل لحظات التصعيد إلى فرص للسلام، وأن صوت الدبلوماسية المصرية ما زال الأكثر تأثيراً حين يصمت الجميع.

اقرأوا التاريخ يا سادة.. مصر ليست وسيطاً بحكم الدور السياسى فقط، بل بحكم التاريخ والجغرافيا، فمنذ فجر الحضارة وهى بوابة الشرق إلى الغرب، وجسر التواصل بين القارات، ومهد الفكرة التى تجمع ولا تُفرِّق. على ضفاف نيلها وُلد مفهوم الدولة، ومن ضفافه انطلقت رسائل السلام إلى كل الأمم. تمتلك مصر من الثقل التاريخى ما يجعل صوتها مسموعاً حتى فى أشد لحظات الفوضى، ومن الموقع الجغرافى ما يجعل استقرارها شرطاً لاستقرار الإقليم بأسره. ولأنها تدرك قيمة موقعها بين آسيا وأفريقيا، وبين البحرين والنهرين، فإنها لا تتعامل مع الأزمات كأحداث عابرة، بل كاختبار دائم لدورها الحضارى. وهكذا تبقى مصر، الحارس الأمين لاستقرار المنطقة، والبوابة التى يخرج منها الضوء كلما عمَّ الظلام.