الشيخ أحمد عمر هاشم حاضر في مسجد الرحمن الرحمن رغم الغياب.. رحل الإمام وبكت الجدران
الشيخ أحمد عمر هاشم حاضر في مسجد الرحمن الرحمن رغم الغياب.. رحل الإمام وبكت الجدران
المنبر يعتريه الحزن، والروح التي طالما عمرت المكان غابت عنه، فلم تكن الجمعة كما كانت، لم يكن المحبون عند بوابة المسجد في انتظار الشيخ، كما اعتادوا، ولا رجل الحراسة الذي كان يسبق موعده بدقائق ليحمل الشيخ على كرسيه المتحرك نحو صحن المسجد، حتى ذاك الشيخ المسن، الذي كان يجلس في آخر الصفوف ليقبل يد الشيخ كل جمعة ويصحبه إلى غرفته، غاب هو الآخر.
على مدار خمسة عشر عامًا، ارتبط اسم الدكتور أحمد عمر هاشم، العالم الأزهري الجليل، بمسجد «الرحمن الرحيم» في قلب القاهرة، إذ كان صوته يعلو من على منبره مرتين كل شهر، محمّلًا ببلاغة القرآن، ودفء الإيمان، وفصاحة العلماء، لكن صباح الجمعة الماضية، وتحديدًا عند دقات الساعة الحادية عشرة والنصف، حين بدأت أقدام المصلين تدبّ فوق سجاد المسجد استعدادًا للصلاة، كان ثمة شيء مختلف.. غياب ثقيل يُخيّم على الأجواء، ووجوه تبحث في صمت عن شيء لن تجده.
الغرفة الصغيرة التي كانت تحتضن الدكتور أحمد عمر هاشم قبل صعوده المنبر، صارت ساكنة صامتة، لا ضحكات محبيه، ولا صوت خطواته، ولا كوب الشاي وطبق البسكويت اللذان كانا يُبللان بهما ريقه قبل أن تبدأ خطبته المعتادة.

كان من المفترض أن يكون «فارس المنبر» في هذه الجمعة، لكن الموت اختاره إلى جوار ربه، فغاب الصوت، وغابت الموعظة، وغاب الحضور المهيب، إذ اعتاد أن يُنعش القلوب، ويُشعل العقول، ويُبكي العيون، لقد رحل الشيخ، لكنّ ظلّه ما زال في المكان، وذكراه تحضر كلما وقف أحدهم على ذات السجادة التي كان يخطب من فوقها، وكلما تردد صدى كلماته في قلوب من استمعوا له لسنوات.
ممدوح العربي: كان صوت المسجد وروحه
يقول الدكتور ممدوح العربي، ابن الحاج محمود العربي مؤسس مسجد الرحمن الرحيم: «كان والدي مرتبطًا بالدكتور أحمد عمر هاشم، رحمه الله، وجمعهم الله في جنات النعيم، العلاقة بينهما تعود إلى ما قبل بناء المسجد، حيث كان لدينا مسجد في شبرا، وكانت هناك لقاءات طيبة بين والدي والدكتور أحمد عمر هاشم، الذي كان شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي محبًا له وصديقًا مقرّبًا».

ويتابع: «كان الشيخ أحمد عمر يوصي روّاد الكتاتيب التي أسسها والدي بتعليم الحديث الشريف، وكان ذلك دافعًا كبيرًا لنشر العلم والهدى.. وعندما افتُتح المسجد، اتفق والدي مع الدكتور أحمد عمر هاشم على أن يخطب فيه كل أسبوعين، وعندما يعلم المصلون بقدومه، كان المسجد يمتلئ عن آخره، كنت أبكي أثناء خطبه لأشعاره الجميلة وصدق حديثه وقوة موعظته، الصغار والكبار كانوا يتأثرون بوضوح.
ويصف فترة مرض الشيخ، قائلا: «حتى بعد مرضه، كان يحضر على كرسي متحرك، يلقي خطبته جالسًا، وكانت كلماته كما هي من حيث البلاغة، وكثيرًا ما كان يبكي عند حديثه عن سير النبي والصحابة كنا نحرص على تنظيم تدافع المصلين عليه، وخاصة الوافدين من خارج مصر، الذين كانوا يدخلون غرفته لسؤاله والتحدث إليه».
وأكد ممدوح العربي أن الشيخ رحمه الله كان يستمع جيدًا لكل من يلجأ إليه بحاجات أو استفسارات، ويرد بسعة صدره، ورغم مرضه أصر على أن يلقي الخطبة بنفسه، حتى وهو على الكرسي المتحرك.
وأشار إلى أن من يعرف الحاج محمود العربي، يعرف صدق الحديث الذي كان يطلقه الدكتور أحمد عمر هاشم، وكان هناك حب عميق بينهما: «أنا شخصيًا أعمل طبيبًا، وكنت أتابع حالة الشيخ باستمرار بناءً على وصية والدي.. وفي وعكته الأخيرة، وعندما لم يستطع الكلام، كنا نتواصل بالإشارات، وقلت له أنا بدعيلك، وكلنا بندعيلك، وكان يبتسم فقط».
مدير المسجد: وجهه كان يضيء.. وكان أقرب إلى الرسول في علمه وأخلاقه
وعن علاقة الدكتور أحمد عمر هاشم بمسجد الرحمن الرحيم، والتي بدأت منذ تأسيسه في عام 2009، يحكي إسماعيل درويش، مدير الإدارة بمسجد الرحمن الرحيم، لـ «الوطن» قائلًا: «كانت هناك علاقة قوية تربط بينه وبين الحاج محمود العربي رحمه الله مؤسس المسجد، وكانت أول خطبة تُلقى فيه من نصيب الإمام الأكبر الراحل محمد سيد طنطاوي، ثم تلتها مباشرة أول خطبة للدكتور أحمد عمر هاشم، ليبدأ ارتباطه العميق بالمسجد وبروّاده.

«كان له خطبتان ثابتتان في الشهر: الجمعة الأولى والرابعة، بينما كانت الجمعتان الأخريان لشيخين من وزارة الأوقاف، وكان رحمه الله حريصًا دائمًا على الحضور مبكرًا، يجلس في مكتبي وعلى هذا الكرسي تحديدًا، وكان يقول لي ضاحكًا: يا حاج إسماعيل ما تفارقنيش.. أنا قاعد على مكتبك»، ويضيف: «كلما اقتربت منه كنت أشعر بأن هناك نورًا يخرج من وجهه.. كان واسع العلم بسيرة النبي، كأن بينه وبين الرسول صلة قربى في المعرفة والحب، وحتى في آخر خطبة ألقاها عندنا، يوم 13 يونيو 2025، كان بكامل وعيه وصفائه، وبعد دخوله المستشفى، كنت أطمئن عليه هاتفيًا فيقول لي: «ادعُ لي بس».
ويستعيد «درويش» تفاصيل ما قبل رمضان: «كنت أرتب معه الجدول قبل الشهر بعشرة أيام، وكان يحضر قبل صلاة العشاء بعشر دقائق، وما إن ينتهي الإمام من أول أربع ركعات تراويح حتى يصعد لإلقاء درسه، فيجلس الناس وكأن على رؤوسهم الطير، يصغون ويخشعون».
ويضحك وهو يتذكر موقفًا طريفًا: «دخل عليّ يومًا قبل تسجيل حلقة تلفزيونية الساعة 11 صباحًا، فوجدني آكل، فسلّم وقال لي: تأكل إيه؟، فلما أخبرته طلب أن يتذوق، فأعطيته، فقال: كلها من نعم الله، وكان الخبز من قريتنا أشمون بالمنوفية، كان بسيطًا، متواضعًا، يكلّم الصغير قبل الكبير، ويسلم على كل من أراد مصافحته».
ويختم بكلمات مؤثرة: «يوم الاثنين 6 أكتوبر، كنت في راحة مع أسرتي، ففتحت زوجتي فيديوهات للدكتور أحمد عمر هاشم، وقالت لي فجأة: مش عارف ليه نفسي أسمعه، وفي الصباح، سمعت في إذاعة القرآن الكريم نبذة عن سيرته، وشعرت أنه قد رحل، بعدها بلحظات، جاء النبأ.. لقد فقدناه».
«ابنتي تحفظ القرآن، وتحفظ أشعاره التي كان ينشدها، وتحب صوته، وقد سمعها ذات مرة، ومنذ ذلك الحين أحبها وكان يسألني عنها دائما ويطمئن على حالها، وأنا وكل من عرفه نحبه، وندعو له بالرحمة دائمًا».

فارس المنابر والقلوب
منذ افتتاح مسجد الرحمن الرحيم في عام 2009، كان الدكتور أحمد عمر هاشم هو المسؤول الكامل عن الملف الدعوي في المسجد، فقد كان هذا المسجد هو رقم واحد في حياته، حسب ما روى الدكتور ربيع سعد إمام وخطيب مسجد الرحمن الرحيم.
ويروي «سعد» لـ«الوطن» أن الدكتور أحم عمر هاشم بدأت علاقته بالمسجد منذ الخطبة الثانية بعد خطبة الإمام الأكبر الراحل محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق، والشيء المثير للاهتمام، حسبما قالوا، إن مكان المسجد كان في السابق مجرد مكب للقمامة، لكن الحاج محمود العربي رحمه الله، طلب من محافظ القاهرة تخصيص الأرض لبناء مسجد فورا.
«كان المكان خاليًا من السكان لأنه منطقة صناعية، ولكن سبحان الله، بعد بناء المسجد، وفي أول جمعة امتلأ المسجد عن آخره، والناس تدفقت حتى الشوارع المحيطة، وفي ليالي رمضان كانت الشوارع المحيطة تُغلق بسبب الزحام الكبير، والناس كانت تأتي من مختلف أنحاء القاهرة إلى هنا، المسجد له جمهور واسع لأنه مكان يشعر فيه الناس بالسكينة والاطمئنان»، كما قال ربيع سعد.
ومن أهم ما كان يربط الدكتور أحمد عمر هاشم روحيا بمسجد الرحمن الرحيم، قوله: أشم فيه رائحة الإخلاص، لأنه بني بمال حلال، كما أكد «ربيع»، وقد كان للشيخ خطبتان في الشهر، الجمعة الأولى والرابعة، بالإضافة إلى خطبة عيد الفطر وبعض الدروس الدينية في هذا المسجد، وكان نادرًا ما يغيب، حتى شهر يونيو الماضي عندما دخل المستشفى.
تميز الدكتور أحمد عمر هاشم في الخطابة والشعر والحديث الشريف.. فبالنسبة للخطابة، فهو معروف عند العامة بأنه فارس المنابر بحق، يقول «سعد»: «نحن منذ أيام دراستنا في الثانوية الأزهرية والكلية، كنا نشأنا على خطب مولانا، وكان يمتلك شيئًا خاصًا من البلاغة والشعر، حيث كان يقول الشعر بالسليقة دون تحضير مسبق، خاصة في المناسبات الدينية مثل الإسراء والمعراج والمولد النبوي.. كان خطيبًا مفوهًا يجمع بين التأثير واللغة العربية الفصيحة والشعر الرائع.

أما عن الحديث الشريف، فقد نشأنا على الاستماع إلى ثلاثة أعمدة في إذاعة القرآن الكريم، أولهم الشيخ محمد رفعت، ثم أحمد عمر هاشم، وأخيرًا مولانا الشيخ الشعراوي.
يذكر إمام مسجد الرحمن الرحيم، أنه في أول سنة له في الكلية كانت السنة التي تولى فيها الشيخ عمر هاشم رئاسة الجامعة، وكان معروفًا بينهم بأنه شخص ودود ومتسامح، كان يسمح لأي طالب أن يقدم طلبًا له، وكان يعامل الجميع بالسماحة والاحترام، كما درّس له ولزملائه مادة مصطلح الحديث في السنة الأولى، رغم أنه كان رئيسا للجامعة، فكان يجمع بين العلم والخلق في شخصيته، فكلما ازداد علمه ازداد تواضعًا، وكان عالمًا أزهريًا أصيلًا.
ويتابع: «عندما سكنت في المدينة الجامعية، شهدت بعيني أيادٍ بيضاء قدمها لنا سكان المدينة، فقد خفض لنا مصاريف الجماعة والمدينة، وحسّن الخدمات والمرافق المقدمة للطلبة، كما ساعد في تحسين العلاقة بين الموظفين والطلاب، بعد أن تسلم رئاسة الجامعة في أول سنة.. عندما حضرت إلى مسجد الرحمن الرحيم، زادت علاقتي بالشيخ أحمد عمر هاشم، وكنت أتابع خطبه في الجمعة التي كان يخطبها، وما لفت نظري أنه لم يكن يرد أي أحد، فالكثير من الناس كانوا يأتون إليه ليزكّوهم عند الجهات المختلفة، وكان يزكيهم دون أن يعرفهم شخصيًا».
وأضاف: «الشيخ كان محبوبًا جدًا، كثير من الناس يأتون إليه ويحبونه، وكان يستمع جيدًا لأصحاب الحاجة ويرد على استفساراتهم بسعة صدر ومحبة، وعندما يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، كان يتأثر ويبكي.. ورغم مرضه، أصر أن يلقي الخطبة بنفسه، وكان يجلس على الكرسي المتحرك، لكن كلماته كانت مثل السابق، قوية ومؤثرة».
محب للشيخ: «بكيت عليه أكثر مما بكيت على والدي»
يقول زينهم محمد علي، أحد المتأثرين بشخصية الشيخ الدكتور أحمد عمر هاشم رحمه الله: «عندما تم تشغيل إحدى خطبه في المسجد، لم أستطع أن أمنع دموعي، لأنني كنت حاضرًا في تلك الخطبة تحديدًا.. سمعتها فاستحضرت أمامي كل الأيام الجميلة التي قضيتها مع الشيخ في المسجد، كنت أسافر معه في مناسبات الحج، وشهدت بنفسي مدى تهافت الناس عليه واحترامهم الكبير له».
ويحكي لـ«الوطن» أن الدكتور أحمد عمر هاشم رغم مرضه، وخاصة في الفترة الأخيرة، لم يتأخر عن أداء مهامه، وكان مثالاً للإصرار والعزيمة، ما كان يميز الشيخ أيضًا هو اهتمامه بالطلاب الوافدين من مختلف الدول الذين كانوا يأتون إلى المسجد ليستفيدوا من علمه الواسع.

ويصف الشيخ، قائلاً: «التعامل مع الدكتور أحمد عمر هاشم كان يشعرك ببساطته وتواضعه، رغم علو مكانته وعلمه الكبير، كان يجيب على كل من يأتي إليه، وخاصة هؤلاء الطلاب الذين سيكونون دعاة للإسلام في بلدانهم، وكان دائمًا حريصًا على مساعدة الجميع».
ويذكر علاقة الشيخ بالمريدين، قائلا: «كان يحب أن يتحدث مع المريدين ويمزح معهم بروح طيبة وحنان، وبسبب تلك العلاقة القوية التي جمعتني به، لم أتأثر بوفاة والدي مثلما تأثرت بوفاته».
ويختتم: «لا أنسى الخطبة الشهيرة التي ألقاها في مجلس الشعب أيام غزو العراق، والتي أبكت الحاضرين جميعًا، حيث دعا فيها إلى حقن الدماء والرحمة، وكان صوت الحق الذي يؤثر في القلوب».
رجل الحراسة: كنت أحمله إلى صحن المسجد
رجل الحراسة بالمسجد، وأحد القائمين على خدمة الشيخ أحمد عمر هاشم، قال: «كنت أنتظر الشيخ على باب المسجد وبمجرد ما يأتي أقبل إلى سيارته وأحمله بكرسيه المتحرك إلى صحن المسجد، ويقول لي أني شخص محترم».