غزة ومعنى الأرض
تابعنا وتابع العالم أجمع معنا مؤتمر شرم الشيخ للسلام، الذى كتب، على الأرجح، فصل النهاية لحرب إبادة وحشية شنّتها إسرائيل لمدة عامين، دون توقف، على قطاع غزة المحتل، وأحياناً على الضفة الغربية.
وقد أبهرت القيادة المصرية المتجسّدة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى العالم أجمع بالنجاح فى هذه القمة التى ولأول مرة فى التاريخ يتعهد فيها رئيس أمريكى هو دونالد ترامب، بوقف حرب تشنّها دولة الاحتلال على الشعب الأعزل، وقتل وإصابة ما يزيد على ربع مليون فلسطينى، معظمهم من النساء والأطفال، ونُشاهد بحزن عميق تحويل مبانى غزة، من مساكن ومدارس ومستشفيات، إلى ركام بصورة لم يسبق لها مثيل، بهدف إرغام الفلسطينيين على الهجرة الجماعية وفق ما كان مخططاً إسرائيلياً ومدعوماً دعماً كاملاً أمريكياً.
وقف الرئيس عبدالفتاح السيسى بصلابة ونزاهة كاملة ضد المخططات المعادية بجميع أشكالها، فأعلن بملء صوته، رفض تهجير أبناء القطاع، واعتباره خطاً أحمر لا يقبل النقاش، وصرح بوضوحه التام، بأن موقفه هذا هو موقف الشعب المصرى، الذى يرفض التهجير، الذى هو ظلم بيّن، وأنه -أى الرئيس- إذا قبل التهجير لخرجت جموع المصريين تعلن رفضها القاطع لهذا الظلم.
الموقف المصرى كان سنداً أساسياً للشعب الفلسطينى الذى صمد صموداً أسطورياً فى مواجهة حرب إبادة وحشية، لم يسبق لها مثيل فى التاريخ البشرى.. رئيس حكومة الكيان الصهيونى بنيامين نتن ياهو استعصى عليه فهم معنى «الأرض»، وتوهم أن التهجير سيتم إن عاجلاً أو آجلاً، حيث إنه يعيش فى أرض مُغتصبة هو والأغلبية الساحقة من بعض يهود العالم الذين خدعتهم بريطانيا بادعاء أنهم سيعيشون فوق أرض «أجدادهم»، وزرعتهم فى الوطن العربى بدعاوى دينية، مثل أرض الميعاد، وأنهم شعب الله المختار، إلى آخر الأكاذيب التى كستها بريطانيا وقتها بكل ما تملكه من ادعاءات «دينية وسياسية» لتفتيت الوطن العربى، بهؤلاء من جهة، وبجماعة الشر المسماة زوراً وبهتاناً بالإخوان المسلمين من جهة أخرى.
وطوال العقود الماضية، مند عام 1948، استعرت حرب التخريب والأكاذيب، خاصة ضد مصر التى لم تتخلَّ يوماً عن دفاعها عن القضية الفلسطينية، ليس من باب الأخوة فحسب، بل كذلك من منطلق الوعى التام بالمخطط المعادى، الذى يستهدف الوطن العربى بأكمله، وفى القلب منه مصر، الهدف الأساسى للأعداء.. ومن أعظم ما سيُسجله التاريخ، الصمود الأسطورى لشعب أعزل، أهم أسلحته كان الإيمان الراسخ بأنه صاحب الأرض التى يستهدفها العدو، ويتجسّد ذلك فى حرصه على البقاء فوق أرضه الغالية، التى لا يبخل أى منهم فى التمسك بها ولو بالتضحية بالحياة.
الأرض الوطنية هى أغلى ما فى الوجود، ولذا لم يفهم العدو الغاصب فرحة الفلسطينيين بالعودة إلى القطاع، الذى دمّرت دولة الاحتلال نحو ثمانين بالمائة من أبنيته، الفرحة هى فرحة الأرض، وأساس الوجود هو أرض الوطن، حتى لو دمّر العدو المسكن، فالمسكن ممكن إعادة بنائه، لكن الأرض إذا ما ضاعت، ضاعت الكرامة الوطنية وتحولنا إلى لاجئين مجردين من أهم شىء.. وهو طبعاً الأرض.