شهامة تحت الأنقاض.. شاب يدفع حياته ثمنًا لانتشال جثة شقيقه من بئر الآثار

كتب: أسماء أبوالسعود

شهامة تحت الأنقاض.. شاب يدفع حياته ثمنًا لانتشال جثة شقيقه من بئر الآثار

شهامة تحت الأنقاض.. شاب يدفع حياته ثمنًا لانتشال جثة شقيقه من بئر الآثار

على عمق ثلاثين مترًا تحت الأرض وفي قاع بئر مظلم تتفرع منه العديد من الممرات، يرقد جثمان شاب دفع حياته ثمنًا لشهامته بعدما قدم مسرعًا من عمله عقب تلقيه اتصالًا من أسرته يخبروه بأن شقيقه لفظ أنفاسه الأخيرة وهو وصديق له كنهاية مأساوية لهوسهما بالتنقيب عن الآثار، ليسرع بالنزول إلى البئر واستخراج جثة أخيه ويعود مرة أخرى لإخراج جثمان صديق شقيقه ولكن لم يتمكن من النجاه والخروج من البئر.

48 ساعة مرت حتى الآن بينما توقف الزمن عند أسرتي الشابين اللذين لا تزال جثتيهما تحت الأنقاض، منتظرين أن انتشالهما خصوصًا ذلك الشاب الشهم الذي لم يكن له ناقة ولا جمل في واقعة التنقيب، لكنه فقط ابنًا بار وشقيقًا حنونًا وصديقًا شهمًا، رفض ترك جثمان شقيقه أسفل الأنقاض ودفع حياته ثمنًا لمحاولة انتشال جثمانه بعد نجاحه في استخراج جثمان شقيقه.

حلم انتهى بكابوس أنهى حياة 3 شباب

لم تكن الواقعة التي شهدتها قرية قصر الباسل بمركز إطسا بمحافظة الفيوم، قصة خيالية، بل نهاية مأساوية واقعية لحلم بدأ بالتنثيب عن الآثار أسفل منزل، وانتهى بوفاة 3 شباب أحدهما كان موته ثمنًا لشهامته وهوس شقيقه بالتنقيب عن الآثار.

أسرة دفعت ثمن تهور ابنهما

انهيار، حزن، ضياع، موقف لا تحسد عليه أسرة الشقيقان، فقد فقدوا دفعة واحدة الأبن الأول دفع ثمن هوسه بالتنقيب عن الآثار وتحقيق حلمه بالثراء السريع، والثاني دفع ثمن شهامته وبره بأسرته التي استغاثت به لانتشال جثمان شقيقه من أسفل الأنقاض، فأصبحوا عاجزين أمام جثة لا تزال في ثلاجة الموتى بمستشفى إطسا، والثانية أسفل الأنقاض لم يجري انتشالها وسط وجود احتمالية بعدم استخراجها بسبب العمق البعيد والانتهاء بردم الحفرة فوق جثمانه.

أحمد جابر رياض

بئر جرى حفره سرًا على مدار أيام طوال داخل أحد المنازل، تفرعت منه العديد من الطرق على عمق 30 مترًا حتى حولت أسفل هذا المنزل إلى متاهة أو سراديب، انتهت بدفن الشابين في أحد هذه الممرات بين طرفة عين وانتباهتها، ولا يعلم أحدًا كيف لفظا كليهما أنفاسهما الأخيرة، هل صعقوا بالكهرباء أثناء استخدامهم أدوات حفر، أم نفذ الأكسجين بسبب العمق فاختنقا؟، منتظرين تقرير تشريح جثة الشاب الذي جرى استخراجه لمعرفة سبب الوفاة الحقيقية.

استغاثة الأسرة أفقدتهما الابن الثاني

وبينما كان الشاب الثلاثيني أحمد جابر رياض صاحب الـ32 عامًا في عمله بالسباكة بمنزل أحد سكان القرية، تلقى اتصالًا هاتفيًا من أسرته، تستغيث به لإنقاذ شقيقه من أسفل الحفرة، فلم يتردد لحظة، وهرع مسرعًا إلى المنزل، ورغم الظلمة الشديدة للبئر لم يتوان عن التسلق إلى داخل البئر، غاب وقتًا لم تحسبه الأسرة من شدة التوتر، ثم خرج حاملًا جثمان شقيقه وأسلمه إلى أسرته الذين كانوا ينتظرون بقلوب مرتعبة.

محمود جابر رياض

التقطت الأسرة أنفاسها أخيرًا، حينما خرج ابنهما الأصغر حاملًا جثة شقيقه الأكبر محمود صاحب الـ37 عامًا، لكن شهامة الابن الأصغر كان لها رأيًا آخر، فأبى ترك جثمان صديق شقيقه، وأصر على النزول مرة أخرى إلى هذا الجحيم العميق، دون أن يدري إنّه سيدفع حياته ثمنًا لهذه الشهامة، وإنّ هذا العمق سيكون قبرًا له، وما إنّ هبط لم يصعد مرة أخرى، وتوقفت أنفاسه هو وصديق شقيقه للأبد في سرداب مجهول أسفل هذه الحفرة.

انتظار انتشال الجثتين

منذ حدوث الواقعة مساء أول أمس الثلاثاء، تجلس الأسرة قرب البئر الذي فرض حوله كردونا أمنيا من قوات الشرطة ووضع حراسة عليه، ينتظرون جثمان ذلك البطل الذي أنقذ شقيقه ثم ضحى بنفسه في محاولة منه لإنقاذ الآخر، فالوقت لا يكاد يمر عليهما، وانتشال جثمانيهما أشبه بمعجزة فلا يعرف أحدًا في أي سرداب هما، كما إنّ العمق كبير والأكسجين أسفله يكاد يكون معدومًا.

ورغم اختلافهما، جمعت هذه المأساة جثتي شابين أحدهما دفع حياته ثمنًا لحلم مزيف بالثراء السريع عبر التنقيب عن الآثار والعثور عليها لبيعها والتحول إلى مليونير، والآخر دفع ثمن شهامته بعد رفضه ترك جثمان شاب من القاهرة لا تربطه به أي صلة سوى أنه صديق شقيقه وشريكه في التنقيب عن الآثار.

كردون أمني وإجراءات قانونية

تعود تفاصيل الواقعة إلى تلقي الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الفيوم، بلاغًا يفيد مصرع عدة أشخاص أسفل بئر للتنقيب عن الآثار داخل أحد منازل قرية قصر الباسل، فانتقلت قوات الشرطة، والحماية المدنية والإسعاف إلى مكان البلاغ، ليتفاجئوا ببئر عمقه 30 مترًا أي ارتفاع عقار 10 طوابق ولكن تحت الأرض.

وفرضت قوات الشرطة كردونًا أمنيًا بمحيط المنزل، ونقلت الجثة الوحيدة التي انتشلها الشاب قبل وفاته وهي جثة محمود جابر رياض، بينما ما تزال جثتي الشقيق الأصغر الشهم أحمد جابر رياض، ومحمد عادل صديق المتوفي الأول وشريكه في التنقيب عن الآثار الذي قدم من القاهرة خصيصًا بحثًا عن الوهم أسفل الأنقاض حتى وقتنا هذا.

وجرى نقل جثة المتوفي الأول إلى مشرحة مستشفى إطسا المركزي تحت تصرف النيابة العامة، التي انتدبت الطبيب الشرعي لتشريح الجثة وتحديد أسباب الوفاة، ولم يصرح بدفنها حتى الآن.


مواضيع متعلقة