وليد خيري يكتب: محتوى تحت المجهر.. «كلام في الثقافة» ومنصات البودكاست كأفق جديد للنقد الاجتماعي
وليد خيري يكتب: محتوى تحت المجهر.. «كلام في الثقافة» ومنصات البودكاست كأفق جديد للنقد الاجتماعي
تتأكد قيمة المحتوى العميق وقدرته على استنهاض الوعي النقدي عندما يتجلى في حوار مُعد بإتقان، يجمع بين قامة فكرية راسخة وإعلامي يمتلك أدوات «المذاكرة» والتحليل. يمثل بودكاست «كلام في الثقافة» الذي يقدم عبر شاشة «الوثائقية» في جزأيه المخصصين لاستضافة الأستاذ الدكتور أحمد زايد، عالم الاجتماع السياسي الكبير ومدير مكتبة الإسكندرية، نموذجًا للمراجعة النقدية التي لا تقتصر على سرد الأفكار، بل تحليل شكل المحتوى نفسه ومهارة المشاركين فيه.
في زمن يتسارع فيه إيقاع استهلاك المحتوى وتطغى فيه الأشكال القصيرة والسريعة، يبرز البودكاست كأحد الأوعية الثقافية القادرة على استعادة زمن الحوار المطول و«النفس الفكري الطويل». إن هذا التوجه يمثل في حد ذاته ظاهرة نقدية للمشهد الإعلامي، فهو يرفض الانصياع لسلطة الإبهار السريع ويراهن على عمق الفكرة، وهو ما حققه «كلام في الثقافة» بجدارة.
لقد أثرى الدكتور زايد المكتبة العربية بمؤلفات بارزة مثل: «صوت الإمام» و«تناقضات الحداثة في مصر»، مما يجعله يمتلك «عينًا راصدة وعينًا لاقطة لتفاصيل ما يدور في الحياة».
مهنية الحوار وإتقان المذاكرة
إن نجاح هذا الشكل من المحتوى، الذي يرتكز على طول النفس الفكري، يعتمد بشكل حاسم على جودة الإعداد، وهو ما يعد جزءاً لا يتجزأ من النقد الشكلي للمحتوى الجديد. وقد عكس الحوار نفسه، الذي قدمه الدكتور محمد عبده بدوي، درجة عالية من المهنية، وهي النقطة التي أشاد بها الضيف نفسه. حيث صرح الدكتور زايد بوضوح أن إعداد البرنامج بين مقدم البرنامج والمعد يوسف الشريف والمخرج محمد عبدالحليم كان "جيداً جداً"، مُقدراً طريقة طرح الأسئلة والحوار. بل وأكد أنه لمس في المحاور مستوى من «المذاكرة» للمادة العلمية والمفاهيم الخاصة بالضيف، وهو أمر لا يجده في كثير من الحوارات التلفزيونية، مشيراً إلى أن ذلك من المصطلحات التي يحبها جداً.
هذا الإتقان من جانب المحاور هو ما سمح للحوار بالانتقال من السرد إلى التشريح الفكري، متناولًا قضايا تباين الخلايا الاجتماعية، وفلسفة الخروج، وهو ما يضع هذا البودكاست في مصاف البرامج الثقافية المرجعية التي تستغل مرونة البودكاست في توفير مساحة للحوار العميق.
قدم الدكتور زايد رؤية سوسيولوجية حادة للتغير الذي طرأ على المجتمع المصري، مستدعياً حقبة السبعينيات كنقطة تحول محورية. ووصف فترة الستينيات بأنها كانت تمثل مجتمعاً "منضبطاً ومراقباً بدقة"، يتمتع بدرجة من العدالة الاجتماعية. لكن مع الانفتاح الاقتصادي المفاجئ، حدث ما أسماه "فك عقال الطبقة الوسطى". هذه الطبقة، التي تضخمت وسيطرت على كل مفاصل المجتمع، انطلقت فجأة بشكل غير منظم، ما أدى إلى "ترك المجتمع وشأنه يضبط نفسه بنفسه" في حل مشكلات التعليم والصحة. ويحذر زايد من أن المجتمعات ورؤوس الأموال لا يجب أن تُترك وشأنها، إذ يجب ضبطها ووضع شكل من أشكال الالتزام الذي يحافظ على تماسك المجتمع.
لإدراك خطورة هذا التحول، استعرض عالم الاجتماع السياسي مفهومين مركزيين يشكلان أساساً للتحليل السوسيولوجي المعاصر: الماكدونالية (McDonaldization) تمثل هذه الظاهرة تحولاً في الحياة بأكملها إلى نمط "الوجبات السريعة" (Fast Food)، وهو مفهوم يشير إلى العقلنة المفرطة للحياة الاجتماعية. وأشار زايد إلى أن العملية التعليمية نفسها لم تسلم من هذا التحول، فأصبحت أشبه بـ "الساندويتش الماكدونالدز تيك أواي السريع". وغابت العلاقات الإنسانية العميقة لتحل محلها علاقات سريعة لا شخصية.
التباعد الاجتماعي (Social Divergence): يرى زايد أن هذا المفهوم يمثل تهديداً أخطر من الانقسامات السياسية. التباعد لا يقتصر على البعد الجغرافي، بل يشمل تباعداً ثقافياً في أساليب الحياة، ونظم التعليم المتعددة، وحتى تباعداً أخلاقياً في كيفية رؤية الصواب والخطأ. وشدد على أن هذا التباعد ليس مجرد تباين طبيعي، بل هو "خلل" يُشبه إصابة الخلايا بالسرطان، كونه منافياً لطبيعة العمران الاجتماعي المتماسك.
جدلية الحداثة وسر انتصار القديم
تطرق الحوار إلى العلاقة المشوهة التي أقامها المجتمع المصري مع قيم الحداثة. أكد زايد أن الحداثة لم تُختر، بل "فُرضت علينا"، مما أدى إلى "حداثة هجينة". وقد لُبست الحداثة في "أشكالها الخارجية أو البرانية" فقط، مثل الملابس والسيارات والتكنولوجيا، بينما ظلت البنية الفكرية تقليدية. ولفت النظر إلى أن الإدارة الحديثة، وهي مفهوم بيروقراطي أسسه ماكس فيبر، ما زالت تُحكم بقيم تقليدية مثل الأبوية ونزعة الزعامة والشلالية، وهي كلها قيم "ضد الحداثة" في جوهرها العقلاني.
يرى الدكتور زايد أن تطوير الخطاب الديني لا يجب أن يكون بالمزيد من الوعظ التقليدي، بل يكمن في تطوير الخطاب الثقافي والعقلاني والنقدي والفني. هذه الخطابات، التي توارت خلال الأربعين سنة الماضية، هي الكفيلة بأن تزرع في الشاب "البهجة" و"قبول التنوع". وأكد زايد أن من يقرأ الفلسفة أو الشعر والرواية ويزور معرضاً تشكيلياً، "عمره ما يكون إنساناً متطرفاً".
كما اختتم الحوار بالحديث عن كتاب الدكتور زايد "نصوص الخروج"، الذي يمثل خروجاً عن القيود الأبوية والدينية والثقافية. هذا الكتاب بمثابة "السفر إلى الداخل"، حيث يحاول الإنسان تكسير ذاته وهدمها ليعرفها على حقيقتها، سعياً للوصول إلى "مقام الاطمئنان". هذا المقام ليس غاية يصل إليها الإنسان ويتوقف، بل هو "سعي دائم"، ويراه زايد نزعة إيمانية صوفية تجعل الإنسان مكتفياً بذاته ومطمئناً.
البودكاست كمنصة للعقلانية
لقد قدم بودكاست "كلام في الثقافة"، بمهارة محاوره الدكتور محمد عبده بدوي وعمق ضيفه الدكتور أحمد زايد، مادة فكرية لا غنى عنها لفهم تشوهات الحداثة المصرية وأشكال التباعد الاجتماعي المتزايدة. إن هذا المحتوى الثقافي المتميز يشكل دعوة صريحة للعودة إلى العقلانية والفن والفلسفة، التي يصفها زايد بأنها "أم العلوم" والتي تجعلنا قادرين على صناعة كل شيء.
في نهاية المطاف، حين تستمع وتشاهد لقاءات ضيوف هذا البودكاست - التي لا تخلو من أسماء تحمل هم هذا الوطن وإبداعه، مثل المخرج الكبير محمد فاضل والدكتور محمد عفيفي، ووزيري الثقافة السابقين حلمي النمنم وعماد أبو غازي، والكتاب الكبار إبراهيم عبد المجيد ومحمد سلماوي وسحر الموجي، والشاعر أحمد الشهاوي، والصحفي الكبير عادل حمودة - يتأكد أن منصات المحتوى الجديد، عندما تتبنى منهجية النقد والإعداد العميق، يمكنها أن تتحول من مجرد وسيلة ترفيه إلى منبر للتحليل الاجتماعي الهادف والضروري لإعادة بناء الوعي العام.