شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (2): أيهم كمامجي: أمضيت 19 سنة في سجون الاحتلال.. وأرسلوني إلى المصريين أطيب الشعوب (حوار)
شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (2): أيهم كمامجي: أمضيت 19 سنة في سجون الاحتلال.. وأرسلوني إلى المصريين أطيب الشعوب (حوار)
حوار- رؤى ممدوح، تصوير- محمد ليل:
على طول طريق ترابي غير ممهَّد كانت السيارة العسكرية الإسرائيلية تشق طريقها بهدوء ثقيل نحو معبر رفح، خلف الزجاج المصفَّح جلس أيهم كمامجي صامتاً، يطوي بين يديه نحو عشرين عاماً من الأسْر والعتمة والانتظار، لم يكن الطريق إلى مصر مجرد انتقال جغرافي، بل رحلة عبور من الموت إلى الحياة، ومن عتمة الزنزانة إلى السماء المفتوحة، كان ينظر إلى الأفق البعيد، يحاول أن يصدِّق أن الحرية لم تعد حلماً مؤجلاً، الهواء الذي دخل رئتيه للمرة الأولى بلا إذن من السجَّان كان مختلفاً، يحمل رائحة الوطن الممزَّق والنجاة المؤجلة.
الأسير الفلسطيني المحرَّر أيهم كمامجي، أحد أبطال عملية الهروب من سجن «جلبوع» الإسرائيلي عام 2021، يروي تفاصيل أسْره في السجون الإسرائيلية، وحياته خلف القضبان، وكيف وجد فى مصر وطناً يحتضن قلبه بعد الحرية.. وإلى نص الحوار:
■ بدايةً.. من هو أيهم كمامجى وكيف بدأت رحلتك مع الأسر والمقاومة؟
- أنا أيهم كمامجى، من بلدة كفردان فى محافظة جنين بالضفة الغربية، أبلغ من العمر 39 عاماً، بدأت طريقى فى مقاومة الاحتلال وأنا فى السابعة عشرة من عمرى، كنت أرى قريتى تُحاصَر يومياً وجنود الاحتلال يقتحمون البيوت، فشعرت بأن من واجبى أن أقاوم.
تم اعتقالى عام 2006 وأنا فى العشرين، ومنذ تلك اللحظة دخلت فى تجربة الأسْر التى استمرت 19 عاماً متواصلة، هى رحلة طويلة من الصبر، والألم، والتحدى.
■ هل توقعت الخروج فى صفقة وفاء الأحرار عام 2011.. وكيف كانت مشاعرك عندما لم يُفرج عنك؟
- كنت أعيش على الأمل فى تلك الصفقة، كنت واثقاً أن اسمى سيكون من ضمن المفرج عنهم. وعندما اكتشفت أننى لست بينهم كان الموقف صعباً جداً، لكنى لم أسمح لنفسى بأن أنهار. توضأت وصليت ركعتين لله وقلت: «يا رب صليت كما أمرتنى وصبرت كما أمرتنى، حسبى الله ونعم الوكيل، قدَّر الله وما شاء فعل».
من يومها قلت لنفسى: هذه بداية الأسْر الحقيقى، أول خمس سنوات عشتها فقط على أمل الخروج، حتى تعلمت كيف أعيش فى السجن لا بالسجن.
■ كيف كانت حياتك اليومية خلف القضبان؟
- كنت أقضى وقتى بين الدراسة والقراءة والكتابة. الدراسة كانت متنفسنا، كنا ندرس الأدب والتاريخ والسياسة والفكر الدينى، ولأن الحياة فى السجن رتيبة وقاسية كنا نحاول أن نخلق لحظات خفيفة تُخرجنا من هذا الجو، فكنا نتحدث كثيراً عن كرة القدم، عن الأهلى والزمالك، وأنا بالمناسبة أهلاوى وبرشلونى، وتلك النقاشات الصغيرة كانت تمنحنا طعماً للحياة، كانت تجعلنا نشعر بأننا بشر، وأن خلف الجدران الحديدية هناك عالم لا يزال ينبض.
■ كيف كنت تتعامل مع التنكيل والاقتحامات التى يتعرَّض لها الأسرى؟
- الاقتحامات كانت من أصعب لحظات الأسْر. كان السجانون يدخلون الزنازين فجأة، دون سبب، فقط للإهانة، أحياناً يسحبون الأسير من عنقه من فوق السرير المرتفع فيسقط على الأرض وتحدث له إصابات بالغة فى الرأس والظهر والأطراف، أو يقتحمون الزنزانة فيجدون أحدنا فى الحمام فيفتحون الباب ويسحبونه وسط الزنزانة. هذه المشاهد لا تُنسى، حتى بلغنا مرحلة كنا نشعر فيها بالأمان فقط عندما يُغلق باب الزنزانة بثلاثة أقفال، كنا نقول ساخرين: «صرنا نرتاح لما يسكّروا علينا الباب»، والأسير يحاول أن يصنع عالمه الخاص ليعيش. مرة أحد الأسرى قال لى مازحاً: «اللى بده يربح بسرعة يشتغل دكتور نفسى، الزبائن كلهم عنده فى السجن»، كانت النكتة وسيلتنا الوحيدة للبقاء على قيد الأمل.

■ هل ساعدك الشعر فى تجاوز قسوة الأسْر؟
- نعم، والدى كان شاعراً، ومنه ورثت حب الكلمة، فى البداية كنت أكتب دون ثقة وأرمى ما أكتبه، ولكن فى أحد الأيام كتبت قصيدة عن موسم الحج، وقرأها أسير شاعر اسمه يحيى الحاج محمد، سألنى من كتبها، فظننت أنه يسخر منى، وقلت له مازحاً: «يمكن أحمد شوقى كتبها أو إيليا أبوماضى»، وعندما أخبرته أننى من كتب هذه الأبيات قال لى بجدية: «هذا شعر جميل، لولا خطأ نحوى بسيط ما كنت صدَّقت إنك اللى كاتبه». ومنذ ذلك الوقت آمنت أنى أستطيع أن أكتب، وبدأت أعتبر الشعر مساحة تنفس، صوتى حين يُصادر صوتى الحقيقى.
■ فقدت والدتك أثناء الأسْر.. كيف وصل إليك الخبر؟ وكيف واجهت تلك اللحظة؟
- كانت أصعب لحظة فى حياتى، فى السجن عندما يُتلى القرآن فى الزنازين، وتحديداً آية «ولا تحسبن الذين قُتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يُرزقون»، نعرف أن أحد الأسرى فقد شخصاً عزيزاً.
وحين اجتمع كبار الأسرى وقادتهم ودخلوا زنزانتى وهم يرددون تلك الآية ظننت أن أخى الشهيد شأس قد استُشهد حينها ففرحت وقررت أن أوزع الكنافة فى الزنزانة. لكنهم قالوا لى «أمك توفيت»، لم أستوعب الخبر وكنت متماسكاً، ولما جاء الليل بكيتها بكاء الابن لأمه، لأن أمى كانت كل شىء، هى صديقتى ورفيقتى، كانت تؤوى المقاومين فى بيتها وتطبخ لهم وتخفيهم عن الاحتلال، وتدعو لنا دائماً بالصبر والثبات، وكتبت فيها قصيدة رثاء من قلبى: «إذا عصفت رياحك يا همومى.. وجال بخاطرى حزن دفين وغمتنى مآسى من فراق.. وهامت بى دموعي بالعيون.. سيقتلنى اشتياقى فى كل حين وأدفن بعد قتلى فى حنينى.. أيا قيداً يمزقنى فتاتاً وأنزف كل يوم من سنين.. ويسقينى زمانى كأس موت به مر وحنضله منون.. وأحرم من وداعك أمى قسراً وأقهر فى غياهبك سجونى.. فيا أسفاه على أمى وصبرى.. أراه يعيل مما قد لقانى»، هذه الأبيات خرجت من عمق القلب، من وجع الفقد الذى لا يندمل.
■ كثير من الأسرى يتحدثون عن قسوة الاعتقال الإدارى.. بماذا تصفه أنت؟
- هو أقسى أنواع السجن على الإطلاق، الاعتقال الإدارى يعنى أن تُعتقل بلا تهمة، بلا محاكمة، فقط لأنهم يشكُّون بك، يجدِّدون الاعتقال كل ستة أشهر بشكل تعسفى، تعيش بلا يقين، لا تعرف متى تنتهى معاناتك، وهذه المجهولية هى أصعب ما يواجهه الإنسان. كنت أقول إن الأسرى فى الإدارى يعيشون موتاً مؤجلاً كل يوم، لأنهم لا يملكون سوى الانتظار، والانتظار فى السجن نوع من العذاب، وهذا ما يعيشه أحد أشقائى الآن.
■ رغم كل ذلك كنت مؤمناً أنك ستخرج.. من أين جاءت هذه الثقة؟
- من وعد المقاومة بعد إعادة اعتقالى عقب هروبى عام 2021 من سجن جلبوع شديد الحراسة، وقلت فى المحاكمة للجلادين: «سأخرج من فوق الأرض، ستفتحون لى باب السجن بأيديكم، وسأقهركم مثلما قهرتكم وخرجت من تحت الأرض»، وكنت مؤمناً بأن الحرية قادمة، وأن الله لن يخذلنا. حتى عندما كنت فى الزنزانة الانفرادية كنت أردد: «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين»
هذا الإيمان هو الذى أنقذنا من الانهيار.
■ من أين بدأت فكرة الهروب من سجن جلبوع؟.. وكيف جرى اختيارك ضمن المجموعة المنفذة؟
- كنت أعرف القائد محمود العارضة منذ عام 2012، وكانت عندى ثقة كبيرة فيه، عندما أخبرنى أنه يخطط للهروب قلت له فوراً: «أنا معك فى أى شىء»، كنت مدركاً أن الطريق محفوف بالموت، لكننا أبناء هذا الطريق، إما الشهادة أو الحرية.
وقبل تجربة الهروب من «جلبوع» كنت قد جربت الهروب للمرة الأولى عام 2004 وأنا فى الـ17 من عمرى من سجن أريحا الفلسطينى، لأن روحى تتوق للحرية منذ الصغر، ولم نكن نبحث فقط عن الهروب، كنا نبحث عن لحظة نستنشق فيها هواء الحرية، حتى لو كانت دقائق قليلة.
وقصيدتى فى المحكمة الإسرائيلية بعد إعادة اعتقالي عقب هروبي كانت من تأليفى، وقلت فيها: «مرج ابن عامر قم وحدث قصة أبطالها نفروا إلى الرحمن.. ما همهم قيد الطغاة وسجنهم.. عافوا جدار الظلم والحرمان.. فالحر يأبى أن يكون مقيداً.. والصقر يأنف ذلة الخرفان.. زنزانتى متر بمتر عرضها.. ولطولها زد نصف متر ثان.. لكن عزائى أن لى فى غزة إخواننا وبأسرهم غربان»، كانت كلماتى رسالة إلى الاحتلال أن الأسْر لا يكسر إرادتنا، وأننا نعيش بعزة حتى ونحن خلف القضبان، ورأيت الدهشة فى وجوههم داخل المحكمة، لم يتوقعوا أن من يسجنونه قادر على أن يواجههم بالكلمة لا بالخضوع.
■ اليوم وأنت فى مصر بعد صفقة التبادل.. كيف تصف شعورك بالحرية؟ وكيف وجدت المصريين؟
- كل صباح أستيقظ وأقول: «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين»، أرادوا أن يقهرونا بإبعادنا عن فلسطين، لكنهم لم يدركوا أنهم أرسلونا إلى أحضان أطيب الشعوب، فى مصر وجدت الحب والأمان والعطاء. الشعب المصرى احتضننا وكأننا أبناؤه.
أحياناً أمزح وأقول: «تعبنا حبكم يا مصريين، ولما تتحرَّر فلسطين مش عارف كيف هرجع بعد ما ورطت معاكم وبحبكم»، مصر منحتنا شعوراً بأننا لم نغادر الوطن، بل وصلنا إلى امتداد له فى قلوب الناس.


■ بعد 19 عاماً من الأسْر.. ما الدرس الأهم الذى خرجت به من تلك التجربة؟
- تعلمت أن الحرية ليست جدراناً تُكسر، بل روح لا تُكسر، الأسر علَّمنى أن الإنسان يمكن أن يُسجن جسده، لكن لا يمكن أن يُسجن عقله أو قلبه، وتعلمت أن الله لا يخذل من صدق النية، وأن كل وجع نمر به هو طريق لحكمة نجهلها، ورسالتى لكل أسير لا تيأس، القيد إلى زوال، ومن يعش بالأمل لا يُهزم.
■ أيهم، كيف ترى دور غزة فى صفقة تحريركم؟
- لا يمكن لأى حر أن ينكر أن غزة كانت الشرارة والنفَس الذى أعاد لنا الحياة. نحن اليوم خارج الأسوار بفضل ما قدَّمته غزة من دماء وصمود وتحدٍّ، وبفضل المقاومة التى لم تنم ولم تساوم. ما جرى لم يكن صفقة عادية، بل معركة إرادات. غزة كانت تفاوض بلسان الشهداء والأطفال والأنقاض، وكل بيت هناك كان يشارك فى عملية التحرير بطريقته، سواء بالدعاء أو بالصبر أو بالصمود فى وجه القصف.
غزة هى التى وضعت معادلة جديدة أمام العالم أن الحرية تُنتزع لا تُمنح، وما فعلته المقاومة هناك لم يكن من أجل أسراها فقط، بل من أجل كرامة كل الفلسطينيين، عندما سمعت أن أسماءنا أُدرجت ضمن قوائم المفرج عنهم، شعرت أن كل صاروخ سقط فى غزة كان يفتح لنا باباً فى السجن.
غزة لم تحررنا من جدران فقط، بل حررتنا من فكرة الاستسلام. منحتنا معنى جديداً للانتماء، وأعادت توحيد الدم الفلسطينى بين من يقاوم فى الميدان ومن يصمد خلف القضبان، ولهذا أقولها بصدق لو لم تكن غزة لما كنَّا هنا نتنفَّس الحرية اليوم.