الصحافة.. ورؤساء أمريكا

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

تصدرت الخلافات بين الصحافة والرئيس الأمريكي ترامب أحاديث وسائل الإعلام والأروقة السياسية.

ترامب يتهم كبرى الصحف الأمريكية، نيويورك تايمز، بأنها تنشر عنه أكاذيب وتشوه صورته وتاريخ حياته، لجأ ترامب إلى القضاء ورفع دعوى ضد الصحيفة.

في البداية رفضت محكمة فيدرالية قبول الدعوى احتراما لنصوص الدستور، لكن بعد حذف نصف ما ورد بالدعوى من حديث سياسي وافقت إحدى المحاكم على نظر الدعوى.

يرى ترامب في الصحافة عدوا مباشرا، ووصفها مرارا بأنها عدو الشعب! لم يتوقف عن مهاجمة كبرى الصحف مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، لكن هذه المواجهة لم تضعف الصحافة بل زادت من شعبيتها، وجعلت الجمهور أكثر إقبالًا على قراءتها للتحقق بنفسه.

الصراع بين ترامب والإعلام استمرار لإرث طويل من التوتر بدأ مع الرئيس جيفرسون، لكن بصورة أخرى في زمن وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة الانتشار.

منذ اللحظة التي أُعلنت فيها الولايات المتحدة دولة حرة ذات دستور، كانت الصحافة تعتبر ابنة الشرعية الديمقراطية، وسيفا في يد الشعب، تراقب السلطة وتنتقدها، ويمكن أن تربكها، وربما تسقطها إن زادت في النقد.

لهذا كانت علاقة الرؤساء الأمريكيين بها دائما علاقة متوترة، لكن توتر نابع من الديمقراطية النابضة بالحياة والحيوية، لا من العداء.

كان توماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين، وصاحب مقولة: لو أن لي الاختيار بين حكومة بلا صحف، أو صحف بلا حكومة، لاخترت الصحف بلا حكومة، لكن حين صار جيفرسون رئيسا، وذاق طعم النقد الصحفي، تغير موقفه، وكتب لاحقا يقول: إنه لم ير شيئا أكثر كذبا من بعض ما يكتب في الصحف، فالرجل الذي آمن بحرية الكلمة وجد نفسه مضطربا أمامها حين انتقدته، كانت البداية اعترافا بحرية الصحافة يرافقه شعور بالضيق منها.

مع أبراهام لنكولن أثناء الحرب الأهلية، زادت حساسية العلاقة، فحين كانت البلاد على شفا الانقسام، هاجمته بعض الصحف بشراسة واتهمته بالتسلط، بينما كانت أخرى تدعمه باسم الاتحاد.

أغلق لنكولن بعض الصحف وسجن محرريها بحجة الحفاظ على الأمن القومي، وهو ما أثار جدلًا كبيرا بين دعاة الدفاع عن الدولة، ومن اعتبره انتهاكا خطيرا لحرية التعبير، كانت تلك المرة الأولى التي اختبر فيها مدى ثبات الديمقراطية الأمريكية أمام الخطر الداخلي.

أما تيودور روزفلت، فكان أكثر ذكاء في التعامل مع الإعلام، كان يحب الظهور، ويستخدم الصحافة لنشر سياساته الإصلاحية، لكنه في الوقت نفسه كان يكره بعض الصحفيين الذين فضحوا فساد المؤسسات الكبرى، ولقبهم بـالنباشين في شئون الحكومة، ومع ذلك، ساهمت مقالاتهم في دعم الإصلاحات التي أرادها، فهم روزفلت أن الصحافة لا يمكن السيطرة عليها، بل يمكن مجاراتها واستخدامها.

كان عهد ريتشارد نيكسون نقطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين البيت الأبيض والصحافة، بدأ الخلاف حين نشرت نيويورك تايمز وواشنطن بوست ما عرف بـأوراق البنتاجون، وثائق سرية عن حرب فيتنام كشفت أكاذيب الحكومة بشأن الحرب.

حاولت الإدارة منع النشر باسم الأمن القومي، لكن المحكمة العليا حكمت لصالح الصحف، مؤكدة أن الصحافة وجدت لخدمة الشعب، لا الحكام.

ولم يمض وقت طويل حتى انفجرت فضيحة ووترجيت، حين نشر صحفيو واشنطن بوست تحقيقات أطاحت بنيكسون نفسه. كانت تلك المرة الأولى التي تسقط فيها الصحافة رئيسا أمريكيا، وأصبح الحدث رمزا عالميا لقوة الكلمة في مواجهة السلطة.

في عهد بيل كلينتون، لم تكن المعركة سياسية بقدر ما كانت أخلاقية، فالصحافة تابعت تفاصيل علاقته بموظفة في البيت الأبيض، ودفعت البلاد إلى نقاش علني حول الأخلاق الشخصية للرئيس.

كان السؤال حينها: هل تحاسب الصحافة رجل الدولة على سلوكه الخاص؟ وهو ما أظهر إحدى مشكلات الحرية في الديمقراطيات الحديثة، حدود الخصوصية في حياة الحكام.

بشكل عام، العلاقة المتوترة بين الصحافة والحاكم ليست حكرا على أمريكا، ففي بريطانيا، واجه تشرشل حملات عنيفة أثناء الحرب العالمية الثانية، وهاجمت الصحافة توني بلير بسبب حرب العراق.

وفي فرنسا، دخل ميتران وماكرون في صدامات مع الصحافة بسبب تسريبات تتعلق بحياتهم الخاصة، لكن ما يجمع هذه التجارب أن الخلاف بين الحاكم والصحافة في الدول الديمقراطية ليس خطرا على النظام، بل دليل على أنه يعمل، فحين تكتب الصحف بحرية، وتغضب السلطة دون أن تقمعها، تكون الديمقراطية في أفضل حالاتها.

إن الصحافة في الأنظمة الحرة ليست خصما للسلطة، بل شريكا غير مريح لها، فهي تذكرها دوما بأنها تخدم الناس، لا العكس، وحين تتوقف عن إزعاج الحاكم، يصبح الصمت الخطر الحقيقي.