علي الفاتح يكتب: نتنياهو وحماس يتلاعبان باتفاق ترامب ومستقبل السلام في الشرق الأوسط

كاتب صحفي

قد نقترب من لحظة يعتبر فيها الفلسطينيون، وباقى سكان الشرق الأوسط، رئيس حكومة اليمين الصهيونى المتطرف بنيامين نتنياهو وقادة حركة حماس، الخطر الذى يهدد اتفاق إنهاء الحرب فى قطاع غزة، وأى إمكانية لمسار تفاوضى يقود إلى إعلان دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.

إذا كان من الممكن تفهُّم سرعة انتشار عناصر حركة حماس الشُرطية فى 47% من قطاع غزة، بعد انسحاب قوات الاحتلال، لحفظ الأمن، فإنه من المستحيل القبول بالتصعيد الأمنى، الذى مارسته عناصر القسام، الجناح المسلح للحركة، ضد خصومها ومنافسيها من جماعات مسلحة، وقيامها بتنفيذ إعدامات ميدانية ضد عناصر تلك المجموعات، التى تحالفت «حماس» مع بعضها فى الماضى.

كان من المتوقع أن تظهر حركة حماس أكثر حكمة وحنكة سياسية فى التعاطى مع وجود تلك المجموعات، لا أن تتعامل من منطلق رغبتها الجامحة فى فرض السيطرة الأمنية، وكأنها لم توقِّع على اتفاق بإنهاء الحرب بعد عدوان صهيونى دام لمدة عامين وضع تهجير سكان غزة هدفاً استراتيجياً نُصب عينيه.

المسألة دقيقة، وبها العديد من التفاصيل، التى يتعين علينا تأملها جيداً، فبعض تلك الجماعات المسلحة قام جيش الاحتلال بصناعتها عبر تجنيد قادتها وعناصرها وتسليحها ليضمن استمرار الفوضى الأمنية داخل القطاع، ولتعمل على استفزاز دائم لعناصر المقاومة الفلسطينية، سواء فى «حماس» أو «الجهاد الإسلامى» أو غيرهما من الفصائل، لإضعاف قدرتها وتشتيتها أثناء مواجهة العدوان الصهيونى، واليوم يسعى الاحتلال لاستغلال هذه الجماعات كى تستدرج «حماس» إلى معارك عنيفة يسميها الاحتلال حرباً أهلية تهدد أمنه القومى.

وفى سبيل ذلك راح ينسب تلك المجموعات الإرهابية إلى العشائر والقبائل الفلسطينية، رغم تنصل معظم القبائل الكبيرة من قادة هذه العصابات على غرار ما فعلت منذ وقت مبكر قبيلة الترابين مع ياسر أبوشباب الداعشى، وزعيم إحدى العصابات، حيث ينتسب أبوشباب لهذه القبيلة العريقة.

ومن تلك المجموعات أيضاً عصابة ممتاز دغمش، وهو أيضاً من قادة داعش الإرهابية، مع العلم أن حركة حماس دخلت فى مراحل سابقة تحالفاً مع بعض قادة هذه المجموعات، وارتكبت بالتعاون معها جرائم إرهابية، لم تتعلق بمقاومة الاحتلال الصهيونى.

استمرار التصعيد الحمساوى ضد هذه المجموعات، مع ما تتلقاه من دعم سياسى ولوجيستى على مستوى التسليح من جيش الاحتلال سيُعقِّد عملية البدء فى المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب، ذلك أن مجرم الحرب نتنياهو، وإضافة إلى ذريعة عدم استكمال تسليم جثامين الأسرى الصهاينة، راح يتخذ من معاركها مع تلك العصابات ذريعة أخرى لاستئناف العدوان على قطاع غزة، ووفق تقارير صحفية دعا المجلس الوزارى المصغر للتصويت على المسمى الجديد للعدوان، مقترحاً مسمى «حرب القيامة».

نتنياهو يعتبر أن ما يجرى حرب أهلية فلسطينية تهدد الأمن القومى للكيان الصهيونى، كما أنها تجعل مسألة نزع سلاح «حماس» مستحيلة، ومن ثم لا سبيل أمامه سوى استئناف حرب الإبادة والتهجير.

السؤال المنطقى الآن: كيف إذن تتعامل حركة حماس مع مجموعات خائنة تعتمد فى تسليحها على جيش الاحتلال، علاوة على الغطاء السياسى الذى توفره لها حكومة اليمين الصهيونى المتطرفة؟!

لو صدقت نوايا «حماس» بشأن حرصها على إتمام المرحلة الأولى ومساعدة الوسطاء لممارسة المزيد من الضغوط على مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، بما فى ذلك ضغوط الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى طلب من نتنياهو الالتزام بالاتفاق وإعطاء فرصة لجهود البحث عن جثامين الأسرى الصهاينة، فإن عليها أن تطالب بضرورة أن تشمل مفاوضات المرحلة الثانية نزع سلاح كل تلك المجموعات والعصابات، بالتوازى مع عملية نزع سلاح الحركة، وباقى فصائل المقاومة.

بوسع «حماس» أن تطالب أيضاً بمحاكمة قادة وزعماء هذه العصابات، مثل ياسر أبوشباب وممتاز دغمش، بمعرفة السلطة الفلسطينية، أو عبر أى آلية يتم التوافق عليها، عبر الوسيطين المصرى والقطرى، إضافة إلى المفاوض التركى والأمريكى.

منطقياً وواقعياً لا يمكن البدء فى عملية إعادة إعمار قطاع غزة، فى ظل وجود تلك المجموعات والعصابات المدعومة من قبَل جيش الاحتلال الصهيونى، لأن بقاءها يعنى استمرار ألاعيب نتنياهو لتكريس حالة الفوضى وعدم الاستقرار بما يمنع استكمال باقى مراحل اتفاق إنهاء الحرب، حتى فى حالة نزع سلاح حماس والجهاد الإسلامى وغيرهما من فصائل المقاومة.

علاوة على أن سجل هذه الجماعات وارتباطها الوثيق بالموساد الإسرائيلى، وما يسمى بتنظيم داعش الإرهابى يجعل مسألة وجودها خطراً يهدد الأمن القومى لدول الجوار، وفى مقدمتها مصر.

بعبارة أخرى، إذا تعاطت حركة حماس مع هذه العصابات وسلاحها غير الشرعى فى إطار مفاوضات المرحلة الثانية لاتفاق إنهاء الحرب ستجد دعماً سياسياً من جميع الأطراف فى مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة.

بيد أن اللجوء إلى خيار المواجهة المسلحة مع عصابات أبوشباب ودغمش يؤشر إلى أن حركة حماس إنما تسعى إلى فرض سيطرتها وبقائها فى معادلة حكم غزة سياسياً وأمنياً، وأنها غير صادقة بشأن تعهدها بعدم الاضطلاع بأى دور فى مستقبل حكم غزة.

حسم مثل هذه المواجهات فى ظل دعم صهيونى بالسلاح شبه مستحيل، ويمنح جيش الاحتلال فرصة شن عمليات عسكرية ضد سكان غزة تحت زعم حماية قواته، وحفظ الأمن القومى للكيان، وهو ما تدركه «حماس» جيداً.

الحركة التى بدت على مدى العامين الماضيين كحركة تحرر وطنى تظهر الآن فى مظهر الطامع فى السلطة والحريص على استمرار هيمنته وسيطرته باللعب على عنصر الوقت، وتعاطف الرأى العام الدولى، غير أنها تخطئ التقدير فى هذه المرة، لأن التعاطف كان مع مئات الآلاف من الفلسطينيين، الذين يتعرضون لحرب إبادة وتجويع لم يعرف لها التاريخ نظيراً، ولم يكن أبداً دعماً لـ«حماس» أو غيرها.

تصريحات قادة «حماس» لوكالات الأنباء الدولية جاءت أغلبها فى هذا السياق متناقضة تماماً مع الأهداف الاستراتيجية لاتفاق إنهاء الحرب، والبند الـ19 فى خطة ترامب، ففيما تحدَّث الأخير عن بناء مسار للثقة والحوار قد يُفضى إلى حل الدولتين، ويتحدث إجمالى الخطة عن إنهاء شامل للحرب، يتحدث قادة الحرب عن هدنة 5 سنوات، واستمرار سيطرتها الأمنية مع إشارة إلى تعقيدات تحيط بمسألة نزع السلاح.

يتعين على زعماء «حماس» فى الخارج والداخل إدراك أن سياسة المراوغة ستُفقدهم تعاطف الرأى العام الفلسطينى والعربى قبل العالمى، فيما إذا التزموا بمبدأ النزاهة والشفافية وسلموا بعملية نزع السلاح، وتركوا للمفاوض المصرى والقطرى والتركى عملية التوافق على كيفية التخلى عن السلاح والجهة التى ستتسلمه، وأعلنوا تحول الحركة إلى حزب سياسى سلمى مدنى، ورغبتهم فى الانضواء تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك خلال المؤتمر الفلسطينى الجامع، المزمع انعقاده فى القاهرة خلال الفترة المقبلة، حينها فقط ستكسب «حماس» احترام وثقة الرأى العام الفلسطينى والعربى والعالمى، وستكون أمامها فرصة للعب دور سياسى فى مستقبل كل فلسطين، وليس قطاع غزة فقط.

لكن للأسف تتحدث أغلب التقارير عن رغبة «حماس» فى فتح صفحة جديدة مع حكومة بنيامين نتنياهو، واستعدادها لتقديم جميع الضمانات بأنها لن تعود تشكل تهديداً لأمن الكيان الصهيونى، فيما غاب أى حديث بكل هذا الانفتاح بشأن منظمة التحرير الفلسطينية، ما يعنى استمرارها فى نهج تكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية، ما يجعلها فى نهاية الأمر لا تختلف كثيراً عن عصابات أبوشباب وممتاز دغمش، التى تتهمها بالخيانة والعمالة لصالح جيش الاحتلال.