شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (3).. الفلسطيني اليهودي نادر صدقة: قتلت 10 جنود إسرائيليين وحُكم علىّ بـ6 مؤبدات.. وغزة فتحت لنا أبواب السجن وتعرضت للتعذيب الوحشي

كتب: رؤى ممدوح

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (3).. الفلسطيني اليهودي نادر صدقة: قتلت 10 جنود إسرائيليين وحُكم علىّ بـ6 مؤبدات.. وغزة فتحت لنا أبواب السجن وتعرضت للتعذيب الوحشي

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (3).. الفلسطيني اليهودي نادر صدقة: قتلت 10 جنود إسرائيليين وحُكم علىّ بـ6 مؤبدات.. وغزة فتحت لنا أبواب السجن وتعرضت للتعذيب الوحشي

أجرت الحوار: رؤى ممدوح - تصوير: محمد ليل

على ملامحه هدوء يخبئ خلفه سنوات من الألم والقهر، بينما يختنق صوته بالبكاء وتتلعثم كلماته كلما أراد الحديث عن الأسرى ومشهد الوداع الأخير قبل أن يفلت أيديهم ويدير ظهره لزنازين وقضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى الأبد.

نادر صدقة، الأسير الفلسطيني المحرر، أحد أبناء الطائفة السامرية، الذي قضى ما يزيد على 20 عاماً في سجون الاحتلال قبل أن يعانق الحرية منذ أيام قليلة ويُبعَد إلى مصر، في هذا الحوار، يروى لـ«الوطن»، تفاصيل من رحلته الطويلة فى الأسر، وأفكاره التى صاغتها تجربته القاسية، ومشاعره حين رأى الشمس لأول مرة بعد أكثر من عقدين من العتمة.

■ عرّفنا بنفسك أكثر وبخلفيتك الاجتماعية والدينية التى تختلف قليلاً عن السائد فى فلسطين؟

- أنا نادر صدقة، من نابلس، من «جبل جرزيم» بالتحديد بالضفة الغربية، وعمرى اليوم 48 عاماً. أنتمى إلى الطائفة السامرية، وهى طائفة صغيرة العدد وجزء من بنى إسرائيل، لكن بيننا وبين اليهود المحتلين اليوم فروقاً كبيرة فى المعتقد والعبادات والتاريخ. نحن لا نؤمن بقداسة القدس كما يفعلون، فمكاننا المقدّس هو جبل جرزيم، وهناك نعتقد أن الله سبحانه وتعالى رفع خيمة الهيكل بعد وفاة سيدنا موسى عليه السلام، لكن رغم انتمائى إلى الطائفة السامرية، أنا فلسطينى قبل كل شىء، عربى الهوى، قومى الفكر، وإسلامى الثقافة. وأعتز بهم جميعاً ولا أرى نفسى خارج نسيج هذا الشعب، لأننى وُلدت وعشت وتعلمت وواجهت الاحتلال مثل أى فلسطينى آخر. لذلك لا أحب أن يُنظر إلىّ من زاوية دينية، بل من زاوية إنسانية ووطنية، لأن الاحتلال لا يفرّق بين أحد، وكلنا تحت بطشه سواء كنا مسلمين أو مسيحيين أو سامريين.

■ كيف بدأت علاقتك بالمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلى؟

- علاقتى بالمقاومة بدأت منذ الطفولة.. أتذكر نفسى أعود من المدرسة فى الانتفاضة الأولى عام 1987، أضع حقيبتى وأخرج لأرشق الجنود بالحجارة فى أزقة نابلس، أطاردهم من شارع إلى آخر، كنت مقاوماً بالفطرة، ومع مرور السنوات تطورت تجربتى، فقبل اندلاع الانتفاضة الثانية بسنوات قليلة بدأت أشارك فى عمليات استهداف الجنود الإسرائيليين، وعلى مدار 4 سنوات تمكّنت من قتل 10 جنود، وكنت مطارداً بشكل دائم. رقبتى كانت مطلوبة تحت أى ظرف، وأعرف أننى فى كل لحظة كنت من الممكن اعتقالى أو استشهادى، وأنا الأسير السامرى الوحيد فى سجون الاحتلال. وحُكم علىّ بـ6 مؤبدات و45 عاماً، ما يعنى أنى سأقضى الباقى من حياتى داخل السجون، وأنا السامرى الوحيد فى سجون الاحتلال.

■ حدثنا عن لحظة اعتقالك وما واجهته من تحقيق وتعذيب.

- كنت مطارداً بشكل دائم، واعتُقلت فى العام 2004 بعد مطاردة طويلة.. وخلال التحقيق تعرضت لمعاملة قاسية وغير آدمية، حاولوا إذلالى بطرق نفسية عديدة، أحدهم قال لى بسخرية: «أنت بصقت فى البئر التى شربت منها»، يقصد أننى من بنى إسرائيل. نظرت له وقلت: «ما هى هذه البئر التى تتحدث عنها؟ أعطيت دمى وروحى للبئر التى شربت منها طوال حياتى، وهى أرضى فلسطين، أما أنتم، فما قدّمتم لى شيئاً أصلاً»، والتحقيق كان قاسياً جداً، تعرضت فيه للتعذيب والضرب المبرح، ومؤخراً انكسر لى ضلعان من أثر اعتداءات السجانين، ولا بد من توضيح والتأكيد على أنّ البطش الإسرائيلى لا يفرق بين المعتقلين، والاحتلال يظن أنه حين يؤذى الجسد يستطيع أن يهزم الروح، لكنه لا يدرك أن الأسير يزداد صلابة كلما حاولوا كسره.

■ كيف كانت الحياة اليومية فى الأسر.. كيف كنت تتعامل مع الوقت والعزلة؟

- الحياة فى السجن قاسية جداً، لكن الإنسان إذا لم يخلق لنفسه معنى سيضيع. كنت أقرأ كل يوم 50 صفحة على الأقل فى مختلف المجالات، من الأدب والفلسفة والتاريخ. أحببت الشاعر أبوالعلاء المعرى وتأثرت بعزلته وفكره، ربما لأن بينى وبينه شيئاً مشتركاً وهى العزلة القسرية، وكنت أجد راحتى أيضاً فى الرسم وأحب الطبخ جداً، وهما وسيلتان كنت أقاوم بهما سنوات الأسر. وحُرمت من أكل اللحم منذ أكثر من 20 سنة، ولم أتذوق الفاكهة منذ عامين، كان الطعام عبارة عن صنفين أو 3 فقط.

نادر

■ ما أصعب اللحظات التى لا تنساها داخل السجن؟

- أصعب لحظة عندما أفرجوا عنى وتركت خلفى آلاف الأسرى، ونظرات زملائى الأسرى إلىّ بعد تحريرى أقسى لحظاتى، كان هناك أطفال يمدون أيديهم من بين قضبان الزنزانة ويمسحون على رأسى ويقبّلونها ويقولون لى: «افرح يا نادر بالحرية»، وكنت أشعر أننى أخرج بجزء من قلوبهم. لا أحد يفهم معنى أن تغادر باب السجن وتترك إخوتك إلا من عاش هناك، لا أستطيع أن أتمالك نفسى أو حبس دموعى وأنا أتذكر تلك الوجوه البريئة، ولا أنسى أبداً مشهد أسيرين من غزة بعد السابع من أكتوبر، كانا مصابين بإصابات بالغة فى أقدامهما نتيجة طلق نارى، أحدهما كانت عظامه ظاهرة ولا بد من بترها والآخر يعانى من غرغرينا شديدة. كبّلوهما فى سلسلة حديدية واحدة وأجبروهما على السير بسرعة، وحين لم يستطيعا، انهالوا عليهما بالضرب والسحل.. كان المشهد فظيعاً، لم أستطع النوم أياماً بعده.

■ حدّثنا عن رحلة التنقل بين السجون.. والتى تُعرف بأنها من أقسى مراحل معاناة الأسرى؟

- التنقل بين السجون هو رحلة موت بكل معنى الكلمة.. الاحتلال أنشأ وحدة خاصة تُدعى «مخشون» لنقل الأسرى، لكنها ليست للنقل فحسب، بل للتعذيب أيضاً. كنا نُقيّد بالأغلال الحديدية ونُرمى فى شاحنات مغلقة بلا هواء ولا طعام، فى إحدى المرات تم نقلى يوم الأربعاء، ووصلت إلى السجن الجديد عصر الجمعة. وكانت آخر وجبة تناولتها يوم الثلاثاء، وخلال الطريق يتفنّنون فى إذلالنا، يرمون القنابل، يستخدمون الهراوات والصواعق الكهربائية، وهناك أسرى استشهدوا فى هذه الرحلات، وهناك من أصيب بعاهات دائمة.. لا أعتقد أن اللغة العربية تملك مفردات تصف هذا الرعب والحقد.

■ هل تعرضت للعزل الانفرادى؟

- نعم، عوقبت بالحجز الانفرادى فى سجن جلبوع شديد الحراسة بسبب موقفى فى الإضرابات.. حدث ذلك فى عام 2016 عندما خدعت أحد عناصر الاستخبارات الإسرائيلية بأننا لن نصعّد من أجل تحسين أوضاعنا، فصدّقنى وأقنع قياداته، لكننا بعدها مباشرة أعلنا الإضراب المفتوح عن الطعام 21 يوماً. كان ذلك قراراً جماعياً، واستطعنا أن نحرك باقى الأسرى فى السجون الأخرى لينضموا إلينا، كانت تلك لحظة قوة داخل الضعف.

■ رغم كل ذلك، ما أكثر موقف ترك فيك أثراً جميلاً؟

- أكثر لحظة لن أنساها كانت أثناء نقلى بسيارة الأسرى يوم الإفراج. كانت السيارة مكتظة بشكل مهين، وجهى ملتصق ببابها الحديدى، وفجأة وجدت ثقباً صغيراً تسلل منه شعاع الشمس. نظرت إليه وقلت بصوتٍ خافت: «انتى شمس الحرية اللى بيحكوا عنها، أنا أول مرة أشوفك وأتعرف عليكى.. أهلا بكى». كانت لحظة رمزية جداً بالنسبة لى، بعد ما يزيد على 20 عاماً من العتمة، رأيت النور الحقيقى. ربما لا يفهمها إلا من عاش مثلى فى ظلام الأسر والزنازين.

■ كيف ترى غزة، خاصة أن كثيرين يعتبرونها صاحبة الفضل فى صفقات الأسرى وتحريركم؟

- غزة بالنسبة لى هى روح فلسطين.. لو لم تكن غزة، لما تنفس أحدنا الحرية، هى التى فتحت باب السجون، وهى التى جعلت الاحتلال يشعر أن الأسرى ليسوا أرقاماً منسية، وغزة قدّمت أبناءها شهداء ومقاتلين وصامدين لأجل أن نخرج نحن، لذلك أقولها بصدق نحن مدينون لأهل غزة، ولمقاومتها الباسلة ولدموع الأمهات وصبرهن الذى لا يُقاس، هم من صنعوا الأمل فينا، وحين كنت أسمع عن مقاومى غزة وصمودهم، كنت أشعر أنى لست وحدى فى الزنزانة. اليوم حين أتنفس الحرية، أعرف أن الفضل يعود لهم. غزة هى من فتحت لنا باب السجن، وهى من تكتب اليوم فصل الحرية القادم لكل فلسطين.

■ كيف ترى معنى الحرية الآن بعد هذه السنوات؟

- الحرية ليست أن تمشى بلا قيود، بل أن تبقى إنساناً رغم كل ما حاولوا فعله بك. أنا اليوم حر جسداً، لكن روحى ما زالت مربوطة خلف القضبان مع رفاقى. الاحتلال يخاف من الحرية، لأنها تهدد وجوده. مجرد أن يُعلن الفلسطينى أنه حر، فهذا بالنسبة لهم خطر وجودى. أنا مؤمن أن لا ازدهار للفلسطينيين إلا بزوال الاحتلال، وأن السيادة يجب أن تعود لأبناء هذه الأرض. دفنت شهدائى وأصدقائى بيدى، وكل قبر منهم يذكرنى بأن حريتنا لم تكن منحة، بل ثمرة تضحيات طويلة.

نادر

■ كيف وجدت استقبال المصريين لكم بعد وصولكم؟ وما الذى تركه فيك هذا التفاعل الشعبى؟

- ترحيب المصريين بنا وحبهم وتعاطفهم معنا ليس غريباً عليهم، فهم شعب معطاء، ولمست الصدق فى مشاعرهم منذ لحظة وصولنا، والمصريون ذكّرونا أن العروبة لا تزال حية فى وجدان الناس مهما حاول العدو تفريقنا، ومصر بالنسبة لى كانت حضن الأمان بعد سنوات الخوف أول ما استيقظت فى أول يوم حرية، كانت الساعة السابعة صباحاً، نظرت من شرفة الفندق على المسبح والمناظر الجميلة، ووقتها تذكرت إخوانى فى السجون، لأن هذا هو وقت العدّ الصباحى عندهم، حيث يتعرضون لأقسى الانتهاكات، وأتمنى زيارة الأهرامات والأقصر، وأرى تاريخ هذه البلاد العظيمة. وأحب صوت محمد منير وأغانيه، أعتقد لأنها تشبه الحرية وتجمع بين الحنين والألم والفرح فى وقت واحد.

■ ما رسالتك إلى العالم وأنت حر بعد تلك السنوات الطويلة؟

- أقول للعالم لا تصدقوا أن الفلسطينى حين يتحرر ينسى، نحن نحمل وجعنا معنا، لكننا نحوله إلى حياة. الحرية لا تُمنح، تُنتزع، ونحن انتزعناها بدمنا وصبرنا. وكل ما أريده اليوم أن أكون صوتاً لمن ما زالوا هناك خلف القضبان، مستعد أن أمشى إلى الصين على ركبتى لأروى معاناة أسير واحد، وأقول لكل من لا يزال فى سلخانات الموت: «الشمس التى رأيتها من ثقب الحديد، ستشرق عليكم يوماً ما، وستقول لكم كما قالت لى: أهلاً بكم فى الحرية».