سلامة موسى

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

عشنا أجيالا وراء أجيال يتصدر مشهد الفكر والأدب أمامنا أسماء ثلاثة طالت قاماتهم بفعل انتشارهم في كل مكان، في الصحافة، والمسرح، والإسلاميات، هم طه حسين وتوفيق الحكيم وعباس محمود العقاد، يليهم جيل آخر من كبار المفكرين، زكي نجيب محمود، لويس عوض، محمد مندور، وآخرين ممن اعتبروا بشكل أو آخر لاحقين للثلاثة الكبار.

لكن من الضروري الإشارة إلى مفكرين آخرين، أحدهم سلامة موسى الذي ظهر في زمن كان يسوده التردد بين القديم والجديد، ظهر يمشي عكس التيار، يذكرنا بفلاسفة اليونان القدامى، يحمل في يده شعلة العلم وفي قلبه إيمان لا يتزعزع بالعقل والحرية.

سلامة موسى، هذا المفكر والكاتب المصري الذي سبق عصره، ودفع ثمن جرأته اتهاما وتجاهلاً، لكنه بقي رمزا لكل من يؤمن بأن التقدم لا يولد إلا من رحم الفكرة الحرة.

يقول موسى: إن الكاتب أو المؤلف العادي الذي تقرأ له، من الطبيعي أن نحبه، فهو صديق لك نأتنس بأفكاره وآرائه، لكن الكاتب أو المؤلف العظيم ليس الذي يعلمنا أن نرى الدنيا بعينيه ونشهد الأشياء والناس بضميره، إنما الذي يعلمنا الاستقلال في الرؤية ويفتح بصيرتنا، وقد كان هو نفسه من هذا الصنف من المفكرين الذين يعلمون الناس الاستقلال في الرؤية والرأي.

ولد سلامة موسى عام 1887 في قرية صغيرة بالغربية، لكنه لم يرضى أن تبقى حدود قريته حدود فكره. كان شغوفاً بالمعرفة منذ صغره، يتساءل أكثر مما يجيب، ويبحث أكثر مما يقلد. لم يكمل دراسته القانونية، إذ شعر أن القوانين وحدها لا تصنع إنسانا جديدا، فقرر أن يصنع نفسه على طريقته.

سافر إلى أوروبا في مطلع شبابه، وهناك ولد من جديد. كان يؤمن بأن الحياة خطة، لذلك رسم خريطة لنفسه، وفي عام 1906 (فر) إلى أوروبا كما قال، وهناك انبسطت له آفاق المعرفة، ودرس اللغتين الإنجليزية والفرنسية واختلط بعائلات ومجتمعات وقرأ كتبا بثت النور في عقله والشجاعة في قلبه، فقرر وعمره 20 عاما أن يكون متمدنا ومثقفا، وقال فيما بعد، إن ما قرره وقت وجوده في أوروبا عاني بسببه الخصومات والعداوات على مدى سنوات عمره.

في باريس ثم لندن، فتح سلامة موسى عينيه على عالمٍ مختلف: حرية الفكر، قوة العلم، وجرأة الفلاسفة، تعرف على أفكار داروين، نيتشه، فرويد، وبرنارد شو، وقرأهم لا كمريد مبهور، بل كعقل ناقد يريد أن يفهم سر النهضة. عاد إلى مصر وهو مؤمن أن التنوير ليس استيرادا، بل طريقة تفكير، وأن مصر تحتاج إلى من يوقظها لا من يعظها.

كان يقول: إن المصريين لن يتقدموا إلا حين يحبون العمل كما يحبون الصلاة، ويقرأون كما يأكلون، بهذه الروح كتب وأصدر مجلاته مثل "المجلة الجديدة" و"المستقبل"، وجعل منها منبرا للأفكار الحديثة.

لم يكن يكتب ليرضي أحدا، بل ليهز العقول النائمة. كتب عن تحرير المرأة، وعن العلم كمنهج حياة، وعن اللغة العربية التي يجب أن تواكب العصر لا أن تبقى أسيرة القواعد القديمة، تحدث عن الاشتراكية في وقت كانت الكلمة فيه تثير الخوف، وعن الهوية المصرية حين كان الخطاب العام منشغلاً بالهوية الدينية أو القومية.

ورغم الهجوم الذي تعرض له من المحافظين، ظل ثابتا، مؤمنا أن التنوير طريق لا عودة منه. لم يكن يسعى إلى شهرة أو سلطة، بل إلى عقل مصري جديد ينهض بالبلاد.

وربما لم ينل التكريم الذي يستحقه في حياته، لكن التاريخ أنصفه بطريقة أخرى: فقد كان أول من نشر لنجيب محفوظ، وشجعه على الاستمرار في الكتابة، وكان محفوظ دوما يعترف بفضله عليه قائلا: لولا سلامة موسى لما أصبحت أديبا، كان أول من نشر له وكان ينصحه ويوجهه.

رحل سلامة موسى عام 1958، بعد أن كتب أكثر من أربعين كتابا، بينها اليوم والغد، هؤلاء علموني، حرية الفكر وأبطالها في التاريخ، والعقل البشري، ترك وراءه إرثا فكريا ما زال يثير الجدل والإعجاب معا، لأنه لم يكتب من أجل الماضي، بل من أجل المستقبل.

سلامة موسى كان صوتا سابقا لعصره، ورائدا حاول أن يزرع في تربة مصر بذور العلم والعقل والحرية، وهو يستحق أن نضعه في مكانته التي يستحقها، لا لأننا نحتفل بالماضي، بل لأن أفكاره لا تزال تضيء الطريق أمام كل من يسأل السؤال الصعب: