ربنا عرفوه بالعقل
لا أتحدث عن جاهل أو عابر سبيل يحدثنى مقتنعاً بتلك الحكاية، ولكنه صديق حاصل على دكتوراه، يدافع عن تلك القصة الخرافية، ويقصها بكل حماسة، من الممكن أن أصمت وبالبلدى «أشترى دماغى»، وأطلب الراحة والبعد عن دوشة الجدل والخلاف، لكن مشكلة تلك الحكايات عن الكرامات هى فى تعطيل العقل الجمعى، وكتب عنها الأستاذ محمود الشرقاوى إبان «هزيمة ٦٧» أن «هؤلاء الذين يقرأون هذا اللون من الثقافة ويصدقون هذا الصنف من الخرافات والكرامات يقوم فى عقولهم سد عالٍ منيع يحول بينهم وبين التفكير العاقل الذى يحول بينهم وبين إعمال الفكر والعقل وينساقون خلف الخرافات والكرامات وينصاعون لأصحابها»، ثم يتنبأ قائلاً «وسوف يأتى من هؤلاء القوم جيش الظلام الذى يطمس ضوء التفكير العقلى».
وكما استسلم لشيخ الطريقة سيستلم لأمير الجماعة أو مرشد التنظيم، وقد عبّر عن هذا المعنى المفكر الإسلامى الكبير د. محمود حمدى زقزوق الذى وصف الخلط بين الشريعة والفقه بأنه من الأفكار المغلوطة، ويستنكر استقرار هذا الفهم فى الأذهان، ويقول إن الفرق بين الشريعة والفقه مثل الفرق بين السماء والأرض، بين ما هو إلهى وما هو بشرى، وقد أدى هذا الخلط إلى إضفاء طابع القداسة على آراء الفقهاء خروجاً على الدين نفسه، وللأسف تمسك الكثيرون بإغلاق باب الاجتهاد ومنع رحمة الله الواسعة فى التيسير على العباد، كما أكد د. زقزوق، وهذا الخلط قديم وعبّر عنه ابن المقفع ببراعة حين قال: «الدين تسليم بالايمان والرأى تسليم بالخصومة، فمن جعل الدين رأياً جعله خصومة، ومن جعل الرأى ديناً جعله شريعة»، وكذلك قال الإمام الشافعى: «رأيُنا صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرنا خطأ يحتمل الصواب»، وكذلك الإمام أبوحنيفة عندما قال: «رأينا هو أفضل ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأفضل قبلناه».
تخيلوا حتى هذه السماحة والرحابة الفكرية يفتقدها الكثيرون فى مناقشاتهم وحواراتهم ويسارعون برفع سيف التكفير على كل محاولة تفكير.