للمرة الثانية أكتب عن شباب الإخوان، وكيف يقعون تحت سيطرة الدهاقنة الكبار، الذين أتقنوا استعباد العقول باسم الدين، وترويض النفوس باسم الطاعة المقدّسة.
ومن خلال وسائلهم تفقد العقول حريتها لتصبح رهينة لقيادة انحرفت فى فهمها للدين، فتحوله إلى أداة تُبرر التسلط والعنف، ولكن كيف يقبل شباب متعلم أن يُسلم فكره ووجدانه لمرجعية تجعل منه «صفراً» لا قيمة له إلا داخل ماكينة الجماعة؟
الإجابة ليست فردية، بل هى نتاج عملية طويلة لتشكيل الوعى، تعتمد على تقنيات نفسية وتعليمية معقّدة تُخرّج «أفراداً» مستعدين لأن يتحولوا إلى تروس بشرية تستجيب للأوامر بلا نظر أو تأمل.
فى قلب هذه العملية جهازان متكاملان:
الأداة الحركية -التى تعبّر عنها الجماعة بالمعسكرات والرحلات وساعات الاعتكاف- والمنهج الثقافى الذى يُطبَع على النفس كبصمة لا تُمحى، يُدرَّب الشاب أولاً على الطاعة المطلقة؛ الطاعة التى تُلغى فيها مَلَكة الرأى، وتُستبدل بمقولة: «الرأى ما تراه الجماعة» و«خطأ الجماعة خير من صواب الفرد»، ثم تُعرض أمامه نصوص ومناهج مختارة بعناية، تُعلِّم «التضحية» لا كقيمة أخلاقية عامة، بل كخضوع كامل ومطلق للجماعة وقادتها، تصل إلى التضحية بالنفس والمال فى خدمة مشروع جماعى يُصوَّر له باعتباره «الإسلام» ذاته.
بهذا التحوير والإدماج تتحول فكرة التضحية من فعل إنسانى نبيل إلى وسيلة لإلغاء الذات، ولذلك ليس غريباً أن تكون أولى حصص «التنشئة» محمَّلة برؤى عن «قوى معادية للإسلام»، هذه الرّؤى تُشيطن الآخر داخل إطار جامد صارم يقولون من خلاله: إن كل من لا يشارك الجماعة موقفها يصبح «عدواً للإسلام». بل إنهم يربطون بين الديانات والفلسفات السياسية الحديثة -الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية- وبين الكفر والعداء للدين. فتكون النتيجة: العقل المبرمَج على الكراهية، والقلب المهيأ للعداء، يرى الوطن ساحة معركة بين «نحن» و«هم»، حتى لو كان «هم» إخوة فى الوطن، وحين يعجز المنطق يلجأون إلى الغيب، فيختلقون رؤى وأحلاماً تمنحهم قداسة سماوية، لتخدير الوعى وإغلاق باب التفكير، ومن ذلك ما قالوه بعد حبس محمد مرسى عقب ثورة يونيو 2013 إن الرسول جاء فى المنام لمرسى، وأخبره أنه على الحق، وأنه سيعود ليحكم مصر، ثم العالم بعدها!.
وزعموا واختلقوا أن جبريل نزل فى اعتصام «رابعة» المسلح ليُصلى معهم، ويبشرهم بالنصر، وأن مرسى سيعود للحكم، وأن الإخوان سيستمرون فى حكم مصر خمسمائة عام!
وهكذا تُزرع فى وجدان الشباب قداسة زائفة تُصنع فى غرف مظلمة وتُروى بخيال مريض، وتاريخهم فى هذا طويل، فقد رووا عبر مسيرتهم رؤى مختلقة لا تتحقّق، لكنها تُؤدى دورها فى تثبيت الإيمان الأعمى بالقائد والجماعة، وإيهام الأتباع بأنهم «المصطفون المختارون»، وأن السماء تبارك خطاهم مهما خالفت المنطق والواقع.
بهذه الوسائل الغيبية يكتمل أسر العقل، إذ لا جدوى من النقاش مع من يعتقد أن وحياً من الله يؤيد قائده، أو أن جبريل يهبط لتأييد قرارات مكتب الإرشاد، ومن ناحية أخرى، فإن الأسلوب التربوى داخل الجماعة يقوم على إلغاء المساحات الشخصية، والملكات الفردية. فمن يُظهر الطاعة يرتقى، ومن يتأخر يُبقيه التنظيم فى مكانه حتى يبلغ مستوى الاستسلام المطلوب. ثم يأتى «قسم التربية» ليُطبق عمليات مسح تدريجية للشخصية، فيعملون على غسيل عقائدى يلبس عباءة الروحانية، بينما هو فى الحقيقة عملية إلغاء للذات.
وفى معسكرات الجماعة يتعلم الشاب أن «يكون كالميت بين يدى المرشد يقلبه كيف يشاء»، فتذوب شخصيته فى روح جمعية خاضعة لآليات فاشية، يصبح فيها مجرد «عنصر» لا إنساناً مفكراً.
وما يثير القلق ليس تسلط القيادة وحده، بل المجتمع الذى ترك هذه المساحات شاغرة.
إن تساهل البنية الاجتماعية، وغياب المؤسسات القادرة على احتضان الطاقات الشابة، يُمهد الطريق لظهور تنظيمات تملأ هذا الفراغ.
فتكون النتيجة مرعبة: فتيان بالكاد غادروا الطفولة يدفعون إلى حياة مشوهة يكسوها شعار الدين وتخلو من جوهره. تُقتلع قلوبهم قبل أن تُزرع فيها قيم التفكير والرحمة.
ولكى تكتمل حلقة الإخضاع، تُغرس فى هؤلاء الشباب مفاهيم النقاء الزائف، واستعلاء النفس، والشعور الدائم بالاضطهاد والمظلومية. هذا التزاوج بين اليقين الأصولى والإحساس بالمظلومية هو ما يبرّر التحوّل إلى عنف مُقدّس فى نظرهم. حين يعتقد الفرد أنه «ينقذ الدين» بدمه وسلاحه، يغدو من الصعب أن يُعيد الإصغاء إلى صوت العقل أو الحوار، ولا أظن أن أحداً ينسى ما قاله القيادى الإخوانى صبحى صالح فى مؤتمر إخوانى عام 2012 من أنه لولا الإخوان لمات الإسلام، وقوله: اللهم أمتنى على الإخوان.
الخلاصة القاسية أن الأمل فى استماع شباب الإخوان لنا يظل ضئيلاً، لأنهم يحتاجون قبل أى شىء إلى علاج نفسى وفكرى يعيد إليهم أدوات النقد والتمييز.
لقد تحول الأمر إلى حالة مرضية مزمنة فيها إنكار للواقع، ووهم بامتلاك الحقيقة، وإحساس بالنقاء العنصرى، وشعور متضخّم بالاضطهاد، هؤلاء يعيشون فى جدار ذهنى سميك يجعلهم يرون العالم عدواً، والاختلاف خيانة، والنقاش مؤامرة.
ومع ذلك، فإن الحل لا يكون بالإقصاء وحده، ولا بالقمع وحده، بل ببناء مدنى جديد: تعليم يُحرّض على التفكير لا التلقين، ومؤسسات شبابية تستوعب الطاقات قبل أن تخطفها الجماعات، وسياسات تُعالج ولا تُعاقب فقط، وعندما يستعيد العقل حريته، ويُسترد القلب من قبضة الوهم، يمكن للمجتمع أن يُضمد جراحه ويوقف دورة العنف قبل أن تبتلع أجيالاً أخرى.