بـ«الحلم والأمل والعزيمة».. مبتورو الأطراف يصنعون المجد

كتب: أحمد ماهر أبوالنصر

بـ«الحلم والأمل والعزيمة».. مبتورو الأطراف يصنعون المجد

بـ«الحلم والأمل والعزيمة».. مبتورو الأطراف يصنعون المجد

الحياة فى بعض الأحيان تضعنا فى اختبارات قاسية، الأقدار تتحكم فى مصائرنا، يستسلم لها من لا يملك الحلم والطموح، ويحاربها كل من كان يؤمن حقاً بالأمل، هؤلاء الأبطال سطروا قصصاً ملحمية، رسموا لأنفسهم دروباً مميزة. وتجاوزوا الإعاقة بشجاعة، ففى الكثير من الأحيان تقف الظروف حجر عثرة وعائقاً كبيراً أمام الكثيرين وتمنعهم من تحقيق أحلامهم، لكن هناك أشخاصاً بُترت أطرافهم، وأصبحوا أبطالاً رياضيين بكل ما تحمله الكلمة من معنى بعد أن حوّلوا الألم إلى أمل واليأس إلى حافز وإبداع، وحققوا أحلامهم بالجهد والعرق والكفاح، واعتبروا الإعاقة الجسدية منحة تدفعهم إلى عنان الأمجاد ومعانقة البطولات.

رضا عامر، أحد أبرز النماذج المضيئة فى هذا المجال فقد حُرم من كافة أطراف جسده، ومع ذلك حصد الميدالية الذهبية فى بطولة الأندية العربية لـ«الباراتايكوندو»، ولم يختلف الحال كثيراً بالنسبة لإسلام زكى، الذى تعرض لحادث قطار، أفقده قدميه، ليقرر بعدها ممارسة لعبة كمال الأجسام، ويفوز بكأس مصر فى كمال الأجسام ورفع الأثقال والسباحة ومصارعة الذراعين، وكذلك الحال مع إبراهيم حمدتو الذى فقد ذراعيه بسبب حادث قطار، ورغم الألم تمكن من احتراف لعبة تنس الطاولة وحصل على «الذهبية الشرفية» فى بطولة أفريقيا 1991 وفضية 2015 وتأهل لدورة الألعاب البارالمبية فى ريودى جانيرو وباريس.

«الوطن» فى هذا التحقيق بحثت عن لاعبين رياضيين بُترت أطرافهم، ويمارسون رياضات قاسية تتطلب تكاملاً بين كافة أعضاء الجسم، وحققوا إنجازات لا يتوقعها أحد لنسلط عليهم الأضواء.

.

بطل «الباراتايكوندو»: أمى بطلة الرواية

فى بيت بسيط بإحدى قرى محافظة الشرقية، وُلد رضا عامر، مختلفاً عن الآخرين، لا ذراعين ولا ساقين، كل من كان ينظر له يوم أن وُلد، كان يرى أنها مجرد أيام ويتوفى، خاصة أنه ولد معه توأم بجسد متكامل، سليم مُعافى. وبينما اهتم الجميع بالطفل الآخر من خلال إجراء الفحوصات الطبية للتأكد من خلوه من الأمراض غير الظاهرية، تشاء الأقدار أن ينجو من الموت، ليكتب عليه أن يعيش غير مكتمل النمو ويتوفى توأمه.

وقال «رضا» إنه بعد أن بلغ توأمه السادسة من عمره، توفى نتيجة الإصابة بمرض نادر، وتابع: «أنا الحالة الوحيدة فى العيلة إللى بدون أطراف، كل إخواتى وأولادهم زى الفل، وعندى 6 إخوات بنات كلهم كويسين».

نجوت من الموت بأعجوبة.. وفى بطولة الأندية العربية لـ«الباراتايكوندو» حسيت بشعور مايتوصفش وقلت لنفسى حصدت «الميدالية الذهبية»

لم تكن الظروف الصحية وحدها التى وقفت عائقاً أمامه، وإنما زادت الظروف المادية أيضاً من عجزه ومنعته من تركيب أطراف صناعية تساعده على الحركة فحرمته من العيش بشكل طبيعى وسط الأطفال.

سنوات صعبة وقاسية عاشها الثلاثينى لأنه كان يرى نفسه عاجزاً عن تناول الطعام بنفسه، أو الاعتماد على نفسه فى تغيير ملابسه أو دخول دورة المياه، ومع ذلك لم يكن منعزلاً عن زملائه بل اندمج سريعاً معهم وبدأ فى التعامل وفق إمكاناته ولم يكن يشعر بضيق من كونه لا يمكنه الجرى معهم، أو الأكل مثلهم.

«رضا» أرجع الفضل فى سرعة تأقلمه واندماجه مع أطفال القرية إلى والدته: «أمى هى السبب، فى كل حاجة حلوة وصلت ليها، من وأنا طفل، زرعت فيا حب الناس، خلتنى أفكر إزاى أتقبل فكرة إنى مختلف عن باقى الناس، لكن بطريقة إيجابية، ومن هنا بدأت أقتنع بأنى مش زى باقى الأطفال، لكن ممكن كمان أبقى مميز عنهم، رغم إنى ماعنديش لا إيدين ولا رجلين».

طريق التعليم لم يكن سهلاً، لكن «رضا» كان منتظماً فى الحضور داخل المعهد الأزهرى، تحمله والدته على ظهرها وتذهب به إلى الفصل، وتتركه ثم تعود لتكمل مهام عملها اليومى داخل المنزل، وفى نهاية اليوم الدراسى تعود لتحلمه معها إلى البيت، وعن ذلك قال: «كنت متفوق وملتزم جداً بالحضور وشيخ المعهد كان طول الوقت بيكرّمنى، كنت زيى زى باقى العيال زمايلى وكنت بحضر معاهم فى فصل واحد، ووصلت لحد تالتة ثانوى».

.

ظلّت الأم لتحمله على ظهرها حتى بلغ من العمر 10 سنوات وهنا خارت قواها ولم تعد قادرة على حمله، فاستعانت بكرسى متحرك ليسهل عليه النزول من الطابق الثانى الذى يقطن به.

وخلال المرحلة الثانوية رحل والده، فتركه هو ووالدته فى حيرة من أمرهما، فهى تقدم بها العمر وأصيبت بمرض السكرى الذى يعيقها عن متابعته والذهاب معه بشكل يومى، وأضاف: «كان عمود البيت، ولما تعب صرفنا فلوس كتير، والظروف المادية ماكانتش أحسن حاجة، واضطريت أسيب التعليم وأنا فى تالتة ثانوى».

«من رحم المعاناة تولد الأفكار الجيدة»، بهذه الجملة المهمة تحدث رضا عامر عن محاولته الأولى للنزول من الطابق الثانى الذى يقطنه بمفرده دون أن يحمله أحد أو تساعد والدته فى حمله، بعدما جال فى خاطرها فكرة يعتبرها الشاب عبقرية، فقد أحضرت «شيكارة»، ثقبت بها ثقبين فى أعلاها، بما يسمح بأن يُدخل ابنها ما تبقى من ذراعيه فيها، ويبدأ فى التزحلق على السلالم، فتُسهل «الشيكارة» حركته، وتمنحه ثباتاً حتى لا يسقط أرضاً خلال النزول، وبدلاً من أن يعتمد على غيره للنزول، أصبح بإمكانه النزول بمفرده، وهو ما جعله يشعر بالثقة فى النفس، وعلى هذا الحال ظلت والدته تقف إلى جواره حتى تأقلم وبدأ يعتاد النزول للشارع بصحبتها، بعدما كان يخشى نظرات البعض له عند مروره من أمامهم فى الشارع، وهو الشعور الذى كان يؤذيه بشدة، وتابع: «بحب أعتمد على نفسى رغم إن الموضوع صعب، إن لم يكن مستحيلاً، لكن بحس بسعادة شديدة لما أعمل أى حاجة لوحدى، فبنزل بالشيكارة لحد تحت، وبعد كده، أمى بتشيلنى تحطنى على الكرسى وتزقنى».

لم تكن أولى تجارب «رضا» فى الشارع سهلة، ففى أحد الأيام من عام 2020، وأثناء مروره كما هو معتاد رفقة والدته بالشارع، تعرض للتنمر من سيدة لكن ما حدث بعدها كان فارقاً فى حياته، وتابع: «لما رديت عليها هجمت عليّا علشان تضربنى، صديت الضرب بكتافى».

وبعد مرور سنوات على المعاناة جاءت اللحظة التى أعلن فيها أمام نفسه أن لا أمل له فى الحياة بدون هدف يسعى لتحقيقه، فكانت الرياضة هى هذا الهدف والغاية، التى يسعى جاهداً لأن يحقق فيها إنجازات تضاهى ما يحققه الأسوياء، فهو الذى ظل لسنوات يمنى النفس بممارسة لعبة السباحة، ولكن الأمر لم يكن سهلاً لعدم قدرته على شراء المعدات الخاصة التى تمكنه من تحقيق هذا الحلم، ومن هنا بدأ التفكير فى رياضة تناسب ظروفه الجسدية، اقترح عليه صديقه ممارسة لعبة الباراتايكوندو، من هنا بدأت رحلته الرياضية، ووراء كل تدريب، كانت والدته تصنع الحدث.

وقال: «أمى معايا من أول ما بصحى لحد ما بنام، بتأكلنى، بتغير هدومى، بتيجى معايا كل البطولات، من الشرقية لجامعة حلوان وبورسعيد والإسكندرية بحلم أطلعها عمرة لكنى غير مقتدر».

الطريق أمام «رضا» لم يكن ممهداً، ففى بداية تدريباته أصيب بمرض شديد، لكنه رفض التوقف: «كنت تعبان لكن رُحت أتدرب وما استسلمتش، وبعد 4 شهور كنت على بساط التايكوندو، بشارك فى أول بطولة محلية، وانتقلت على طول لبطولة تانية، وبأداء كان مُلفت، لدرجة خلت المدرب يراهن عليّا ويقول إنى هوصل لنقطة كويسة فى اللعبة وهكون بطل كبير».

جاءت اللحظة الفارقة فى مسيرة رضا عامر خلال مشاركته فى بطولة الأندية العربية للباراتايكوندو الدولية المفتوحة، التى يشارك بها ذوو الهمم من دول متعددة، ولم يكن مجرد مُشارك، بل تمكن من حصد المركز الأول بالبطولة، وأضاف: «حسيت بشعور ما يتوصفش، كنت فرحان، وبقول لنفسى معقول معايا ذهبية وأنا لسه مبتدأ فى اللعبة، قلت لنفسى أكيد ربنا بيعوضنى عن كل مرار أنا عشته فى حياتى، وعن كل ألم حسيته لما كنت بلاقى الناس بتبص عليّا، يا إما بنظرة شفقة أو تنمر».

الطريق لم يكن صعوداً فقط، ففى يونيو من العام الحالى خسر المركز الأول فى بطولة الجمهورية واكتفى بالمركز الثانى، لكنه لم يسمح لهذا الشعور أن يكسره، فبعد شهرين فقط أحرز الميدالية الذهبية فى بطولة الجمهورية المؤهلة للمنتخب.

وأضاف: «الإحساس اللى حسيته لما طلعت مركز تانى فى شهر يونيو كان مزيفاً واليأس ماكنش حقيقى، والإحباط وقتها ماكنش صح، وكنت متأكد إن ده مجرد إخفاق مؤقت وهقدر أرجع تانى أقف على المنصة، وفعلاً بعد ما كنت فاقد الأمل ربنا عوضنى وأخدت المركز الأول بعد شهرين من البطولة اللى خسرتها».

رضا عامر يتدرب حالياً على «البومزا»، وهى حركات استعراضية فى الباراتايكوندو، ويتلقى تدريبه على يد الكوتش مصطفى بكرى، ويحلم أن يصل إلى أولمبياد لوس أنجلوس 2028، ويمثل مصر.

واختتم حديثه بالقول: «عندى أحلام كتير وعارف إنى هقدر أحققها، وبتمنى يكون عندى راعى علشان أقدر أكمل المسيرة، خصوصاً إن التكاليف المادية كتيرة وأنا مش عايز أرجع لنقطة الصفر من تانى».

إسلام زكى.. كمال الأجسام

على عكس رضا عامر، لاعب الباراتايكوندو، الذى ولد بدون أطراف، فإن إسلام زكى ولد مكتمل النمو لكن سُلبت منه قدماه فى حادث قطار، الحكاية عندما بلغ من العمر 10 سنوات، فهو الذى كان يمنى النفس بأن يظل معتمداً على نفسه، يرى الأطفال يجلسون فى المقاهى، يتكئون على أكتاف آبائهم، بينما هو يعمل لمساعدة نفسه وأسرته، كان يريد أن يصنع لحياته قصة مختلفة من خلال ممارسة لعبة كمال الأجسام، فهو دائماً كان يرى نفسه بطلاً متوجاً على الساحات الرياضية المحلية، ولم لا الدولية أيضاً، لكن القدر كان له رأى آخر، فبينما كان يحلم أن يصبح بطل مصر فى كمال الأجسام، ويمسك القلم والورقة، يكتب أهدافه، يخطط وينتظر يوم أن يحصد أول ميدالية، ويهتف له الجمهور، جاء القطار ليحطم حلمه فى اعتلاء منصات التتويج، حادث مفاجئ، ترك أثره فى جسده إلى الأبد. القطار أفقده قدميه، لحظة واحدة، كانت كفيلة بقلب حياته رأساً على عقب، وتحويلها لجحيم، ثوان معدودات قربته من الموت المحقق وظن جميع من رآه أسفل القطار أنه ميت لا محالة، إلا أن القدر أراد شيئاً آخر، وحكم عليه بأن يعيش بجسد ناقص، حيث بُترت قدماه حتى أسفل الركبتين.

.

حادث قطار حوّل حياتى إلى مأساة وقدرت أقف وحصلت على كأس مصر فى ألعاب كمال الأجسام ورفع الأثقال والسباحة ومصارعة الذراعين

ذهب حلم كمال الأجسام بعيداً، فكيف له أن يعتلى المسرح للعرض وهو لا يمكنه الوقوف، ربما الاستسلام لمن فى نفس موضعه كان سيأتى آجلاً أم عاجلاً، لكن إسلام زكى اختار أن يسلك طريقاً آخر، وأن يقف بأطراف صناعية، ويُكمل رغم ما حل به من ألم ويأس.

بعد سنوات من الإصابة قرر ممارسة رياضة كمال الأجسام التى كثيراً ما كان يحلم بها فى صغره، وأن يحقق فيها إنجازات. وعن هذه اللحظات قال: «بمساعدة ربنا وأهلى قدرت أقف وأكمل رغم إعاقتى، أنا تعبان وطول الوقت عندى التهابات فى رجليّا بسبب الجهاز، لكن أنا مكمل وعمرى ما أستسلم لأن ربنا اختارنى، وده قدرى ولازم أكون راضى وشاكر، لكن فى نفس الوقت لازم أحقق معجزات علشان أسيب أثر فى الحياة ماكونش مجرد عابر سبيل».

القدر كان قاسياً، لكنه لم يكن أقوى من «إسلام»، الذى كان ينهار من حين لآخر، ويتألم جسدياً ونفسياً، لكن يبتسم فى النهاية، لأنه يُدرك أن النجاح لا يُولد من الراحة، وأضاف: «عندى الإرادة اللى بيها ممكن أتغلب على كل حاجة، لأنى تعلمت إن مهما كانت الظروف قاسية، ما ينفعش أستسلم والحلم طالما جه فى بالنا يبقى لازم نحققه، حتى ولو كانت الظروف بتقول مستحيل الحلم يتحقق، لكن مع الصبر والثقة فى الله وفى النفس مستحيل نقف عاجزين وما نقدرش نحقق أحلامنا، ربنا كرمنى وحصلت على كأس مصر فى كمال الأجسام ورفع الأثقال والسباحة ومصارعة الذراعين، لأنى طورت من نفسى وبمارس أكتر من لعبة وكلهم حققت فيهم بطولات وإنجازات».

ويحلم إسلام زكى، لاعب كمال الأجسام، أن تدعمه وزارة الشباب والرياضة، وأن تساعده الجهات المعنية فى الحصول على معاش.

إبراهيم حمدتو.. تنس طاولة بـ«الفم»

إبراهيم حمدتو، ابن محافظة دمياط، حادث قطار غير مجرى حياته، بنفس العمر ونفس الطريقة التى حدثت مع إسلام مع اختلاف أماكن البتر، حيث تعرض لحادث قطار أفقده ذراعيه وهو فى عمر الـ10 سنوات، لم يستسلم لما حدث له، ولم يعر المأساة التى أحلت به اهتماماً، وبدأ يتأقلم مع مستجدات الحياة، وقال: «راحت إيديا الاتنين منى لحد الكتف، كانت لحظات صعبة، ويمكن لأنى كنت عيل صغير وقتها، فده خفف شوية صدمتى، وبعد الحادثة بـ3 سنين كنت بروح أتفرج على أصحابى وهما بيلعبوا تنس طاولة، ودى طبعاً كلنا عارفين إنها لعبة بتعتمد على قوة اليدين، ومن كتر ما كنت بروح أتفرج، بدأت أتعلق باللعبة، رغم إنى كنت عارف إن مستحيل ألعبها فى يوم من الأيام، علشان كده كنت مركز أوى فى كل حركة بشوفها قدامى، كنت عايز أفهم وأعرف ليه اتلعبت بالشكل ده، علشان يكون عندى مخزون كبير من المعلومات عن اللعبة، وفعلاً بعد فترة تعلمت كل حاجة عنها».

أدرك «حمدتو» قواعد اللعبة جيداً حتى أصبح حكماً، يذهب إلى النادى حيث الأصدقاء يمارسون اللعبة، يقوم بالتحكيم، وظل على هذا الحال لسنوات، حتى جاءت اللحظة القاسية التى غيرت مجرى حياته، عندما تنمر عليه أحد الأشخاص، صدمته جعلته يدخل فى تحدٍ شخصى مع ذاته، وعقد العزم على ممارسة تنس الطاولة بدلا من التحكيم فقط، ومن هنا بدأت أولى الخطوات، وأخذ حينها على عاتقه أنه لا بد له أن يهزم ذاك الشخص الذى تنمر عليه، معتبراً أنه لا يصلح للعب من الأساس ولا يمكنه سوى فقط رؤية المدرب من بعيد.

.

دخل إبراهيم حمدتو فى تحدٍ شخصى مع ذاته، وكان يذهب يومياً إلى مركز شباب كفر سعد بمحافظة دمياط للتدريب على ممارسة اللعبة، وأضاف: «جربت وضع المضرب تحت إبطى لكن ما قدرتش، وبعدها سندته بفمى، لقيت الموضوع ممكن يتعمل بشوية تدريب، ففرحت جداً إنى أخيراً لقيت طريقة أقدر بيها أمسك المضرب، وفضلت أتدرب فترة طويلة لحد ما بقيت أتحكم فيه بشكل كبير، ومش بس كده كمان قدرت ألعب مع شخص سليم تماماً هو بإيده وأنا بفمى ولعبت مباريات كتيرة بنفس الوضع ده، ولما خلاص حسيت إنى قادر أغلب أى شخص مهما كانت قوته، بدأت أفكر فى اللى قاله صاحبى عنى وتنمره عليّا، فقررت تحدى من تنمر عليّا فى مباراة أمام كل من كان موجوداً وشهد واقعة التنمر، رُحت للمدرب فى مركز الشباب، طلبت منه ينظم ماتش بينى وبين صاحبى اللى اتنمر عليّا، وفعلاً كسبته، وحققت حلم يمكن يبان بسيط للبعض، لكن كان بالنسبة ليّا تحدى كبير، ماكنش ينفع أحس إنى اتكسرت، وأنا اللى فضلت من وقت الحادثة سنين وسنين راضى وشاكر وصابر، ومبسوط كمان بحياتى».

حصلت على «الذهبية الشرفية» فى بطولة أفريقيا 1991 وفضية 2015 وتأهلت للدورة البارالمبية فى «ريو دى جانيرو 2016» و«طوكيو 2020»

بدأت رحلة «حمدتو» مع لعبة تنس الطاولة البارالمبى من هذه اللحظة، بعدما أخبره المدرب أنه يمكنه المشاركة فى أى فعاليات تخص اللعبة، وبحالته تلك سيكون هو الأوحد عالمياً الذى يلعب تنس الطاولة بفمه، وتمكن من الفوز بالعديد من الألقاب، فقد حصد الميدالية الذهبية الشرفية فى بطولة أفريقيا لتنس الطاولة عام 1991، والمركز الرابع فى بطولة مصر الدولية لتنس الطاولة عام 2005، وخلال عام 2011 حصل على الميدالية الفضية فى بطولة أفريقيا لتنس الطاولة، وفى عام 2013 حصد ميدالية فضية فى بطولة أفريقيا لتنس الطاولة، وحصل على فضية بطولة أفريقيا لتنس الطاولة فى عام 2015، وتأهل إلى الدورة البارالمبية التى أقيمت فى ريو دى جانيرو عام 2016، وفى عام 2019 حصل على المركز الرابع فى بطولة مصر الدولية لتنس الطاولة، كما شارك فى دورة الألعاب البارالمبية طوكيو 2020.

عمر حجازى.. سباحة بـ3 أطراف

لم يختلف الحال كثيراً بالنسبة لعمر حجازى، الشاب الذى كان مفعماً بالحياة، يملك أحلاماً وطموحات عديدة، فخلال رحلة سفر بالموتوسيكل، جاءت تلك اللحظة التى غيرت مجرى حياته للأبد، بعدما صدمته سيارة نقل ثقيل، ليسقط أرضاً وتبدأ من هنا المعاناة. عن تلك اللحظات يقول: «السواق كان بيلف، وفجأة خبطنى، فوقعت تحت عجلات العربية، وكمل على رجلى».

لحظات صعبة عاشتها الأسرة بأكملها، بعدما علموا بما حدث لابنهم، لم يكن أحد منهم يتوقع أن ينتهى الأمر بـ«البتر»، أسرعوا إليه ليجدوه مستلقياً على السرير فى أحد مستشفيات محافظة الإسماعيلية بلا حراك، سألوا الطبيب المشرف على الحالة، فأخبرهم أنه لا بد من بتر الساق، وأن كافة المحاولات الطبية فشلت فى إنقاذها، ولا بد من أن تكون الجراحة عاجلة، حتى لا يتفاقم الوضع، انهمر الجميع بالبكاء، كيف لهذا الشاب المفعم بالنشاط والحيوية أن يحرمه القدر من ساقه وهو الذى كان يمارس 10 ألعاب رياضية قبل الحادث.

.

شعور عمر حجازى حينها كان أصعب بكثير مما يتخيله أحد، الألم الذى كان يشعر به جعله يتمنى الخلاص، حتى ولو انتهى الأمر بالبتر، وبالفعل بدأ الأطباء يخططون لإجراء الجراحة، مُنع عنه الماء، تمهيداً لإدخاله غرفة العمليات، ولكن والده كان يحمل بداخله أملاً فى أن تتحقق المعجزة وينجو من البتر، ليقرر ترك الإسماعيلية بأكملها ويذهب به إلى أحد المستشفيات بالقاهرة، ليكمل رحلة علاجه على أمل أن يكون هناك حل طبى يمنع البتر، لكن الأمل تلاشى، الأطباء أجمعوا على ضرورة إجراء الجراحة وبشكل سريع حتى لا تزداد الأوضاع سوءاً، فى هذه اللحظات لم يكن الثلاثينى مهتماً بما يدور حوله من مناقشات تتعلق بحالته الصحية، لا يفكر سوى فى أنه يريد أن يشرب ماء حتى وإن حُرم من ساقه، فمن شدة العطش تناسى ما حل به من ألم، وقال: «كان بقالى يومين مش بشرب ميه خالص، وكان كل همى يخلصوا بقى ويقطعوا رجلى علشان أقدر أشرب ميه براحتى، وفعلاً قطعوها، وبدأ فصل جديد من فصول حياتى الصعبة».

اتُخذ القرار بالفعل، وبُترت الساق، خرج الفتى من المستشفى غير مكتمل الأطراف، وتعرض لمعاناة نفسية بالغة، وصفها بقوله: «كانت حياتى اليومية عبارة عن معاناة، ما كنتش حتى بقدر أعمل الحاجات البسيطة فى البيت، ولو موبايلى وقع منى تحت السرير، كان مستحيل أقدر أنزل أجيبه، أو أنزل السلم، وبعد فترة قرأت قصة اللبنانية دارين بربر واللى قدرت تحطم رقم قياسى عالمى بقدم صناعية، فقررت أسافر ألمانيا للبحث عن طرف صناعى».

السباحة أعطتنى إحساساً بالحرية ومش محتاج حد يسندنى وتأكدت إنها هتقدر تحتوى إعاقتى وفى نفس الوقت صعوباتها هقدر أتحملها.. وأخطط لعبور المانش وأجهز لرقم قياسى عالمى جديد

وتحدث عمر حجازى عن الألعاب الرياضية التى كان يمارسها قبل الحادث قائلاً: «كنت بلعب رياضات كتير، من بينها السباحة، وبعد الحادثة حسيت إنى مش زى الأول ومش قادر أتحرك ومحتاج لطرف صناعى أو لعكاز، كنت بمارس حوالى 10 رياضات مختلفة، وحاولت أرجع لكن فشلت لما نزلت الميَّه، حسيت لأول مرة بالحرية ومش محتاج حد يسندنى، ومن هنا قررت أحترف السباحة حتى لو كنت أبطأ من قبل كده، وهتاخد منّى مجهود كبير عشان أتأقلم، لكنى كنت متأكد إنها هتقدر تحتوى إعاقتى، وأصبحت المياه بالنسبة ليّا ساحة للانتصار».

الآن وبعد سنوات من هذه الحادثة المؤلمة التى تركت فى نفسه ندوباً، يمارس حياته بشكل طبيعى، وكأنه مكتمل الأطراف، لا شىء ينقصه، وأضاف: «بداية يومى بصحى الصبح، أنزل الشغل بتاعى، أخلص وأروح الجيم وبالليل بتمرن سباحة».

رياضة السباحة بالنسبة له هى المنقذ، لكونه وجد بها ما لم يجده فى ألعاب رياضية أخرى، وتابع: «حسيت بالحرية، مش محتاج حد يسندنى، وتأكدت إنها هتقدر تحتوى إعاقتى، وفى نفس الوقت صعوباتها هقدر أتحملها».

وعن أكثر لحظات حياته فرحاً يوم أن أنقذ شاباً من الغرق، ووصف هذه اللحظة بقوله: «كنا قاعدين على البحر، سمعنا ناس بتصرخ، ولقينا واحد بيغرق وبيبعد بسرعة عن الشط، والمنقذين كانوا بعيد عنه قررت أنزل أنقذه رغم صعوبة الموقف علشان حالتى الصحية، نزلت وكنت أول واحد يوصل له، وبعد كده ناس وصلت، لأنهم اتشجعوا لما نزلت وجم يساعدونا، والحمد لله عرفنا نطلعه بسلام، فى الموقف ده حسيت إن كل لحظة اتمرنت فيها سباحة ليها قيمة كبيرة أكبر من أى ميدالية».

منذ نعومة أظافره أحب عمر حجازى المغامرات بشدة، وبعدما احترف السباحة، وجد أن أحلامه يمكن أن تتحقق يوماً ما، وأضاف: «بحب المغامرة، والسباحة وفرت لى ده، لأن من خلالها هقدر أمارس مغامرات كتير وأدخل فى تحديات طول الوقت، ومش هيكون فيه حدود لمغامراتى».

ووضع «عمر» هدفاً أمام عينيه، وهو عبور خليج العقبة، ذاك الحلم الذى بدا صعب المنال، لكونه يتطلب قوة تحمل، وتكاملاً بين القدمين والذراعين، وهنا قرر قبول التحدى، وواصل: «قلت لوالدى أنا ناوى أعدّى خليج العقبة، ما كانش مصدق، ولا مقتنع، بس فرح إنى قدرت أخرج بسرعة من أزمتى، وبدأ يساعدنى».

ذهب الثلاثينى للدكتور رضا أبوزيد، المدير الفنى لفرق ذوى الإعاقة، وأخبره أنه يحلم بعبور خليج العقبة، وأنه يعلم جيداً صعوبة الأمر، لكنه يملك الطموح، وتابع: «قال لى ورينى عومتك، فنزلت، وما كنتش ساعتها رايح حتى معايا نضارة سباحة، كان معايا نضارة دايفينج من زمان، لأنى كنت بتمرن دايفينج، فكنت نازل حمام السباحة شكلى يضحك، ويمكن ما كملتش 50 متر وتعبت، لكنه قال لى تمام وبدأت أتمرن مع الفريق وفعلاً قدرت أعبر خليج العقبة».

فكر السباح المصرى، بعد ذلك فى مغامرة جديدة وهى السباحة من الأردن لمصر فى 8 ساعات بساق واحدة، واستطاع دخول التاريخ بساق واحدة، محققاً رقمين قياسيين عالميين بموسوعة جينيس للأرقام القياسية، هما أطول مسافة سباحة بنفس واحد بواقع 56.48 متر، وأطول مسافة سباحة بنفس واحد باستخدام الزعانف بواقع 76.7 متر، كلاهما عن تصنيفات البتر الأحادى فوق الركبة، ورغم الإحباطات، لم ييأس، لأنه يرى أن الرياضة تساعد على التوازن النفسى، واختتم حديثه بالقول: «بنجهز لرقم قياسى عالمى جديد، حاجة من أكبر الحاجات اللى عملناها، وهى أطول عومة فى التاريخ هتتعمل فى مصر خلال الشهور القادمة، وعندى حلم كبير وهو عبور المانش».

محمود عبدالعظيم.. قائد رغم البتر

حوادث الطرق لها أثرها على الرياضيين السابق ذكرهم، وهو ما تكرر مع محمود عبدالعظيم، الذى تعرض لحادث سير قبل 27 عاماً، حينما كان عمره لا يتجاوز 6 سنوات، فقد صدمته سيارة ودهست ساقه، لتبدأ من هنا رحلة قاسية من الألم والأمل، هو يتألم، وذووه يأملون فى أن تمر الأزمة دون أن يتم بتر ساقه، فكيف له أن يكمل حياته بساق واحدة وهو ما زال فى مرحلة مبكرة من عمره، لكن القدر كان أقوى، الأطباء تدخلوا لإنقاذه، وقاموا بإجراء أكثر من 9 عمليات جراحية على مدار عامين، وفى نهاية المطاف قرروا إجراء عملية بتر عاجلة للساق بأكملها، وعن تلك اللحظات قال: «كان أهلى عندهم أمل إن الموضوع يعدى على خير، لذلك ما كانش سهل عليهم يوافقوا على البتر إلا لما الدكاترة تحاول أكتر من مرة، لكن إرادة ربنا كانت فوق كل شىء».

.

خرج الطفل من المستشفى بعد رحلة علاج استمرت عامين كاملين، وحينها لم يكن يعى ما حدث له، هو يعلم أنه لن يتمكن من اللهو مع أصدقائه كما كان يعتاد قبل الحادث، ولكن دعم أسرته سهَّل عليه التأقلم، حيث كانوا يرافقونه، يستند هو على عكازين، أرادوا أن يواصل رحلته التعليمية، وأن ينظر للحياة بنظرة إيجابية، فإن كان قد خسر ساقاً، فهو ما زال يملك الروح ويمكنه تحقيق إنجازات لا يقدر على تحقيقها الأسوياء، هكذا زرع بداخله والداه الأمل والثقة بالنفس وقبول إرادة الله بنفس راضية.

كان لديه حلم يسعى لتحقيقه طوال هذه الفترة بأن يصبح لاعب كرة قدم فى النادى الأهلى، وقال: «كنت بلعب كرة بالعكازين مع أصحابى فى الشارع وفى المدرسة، وكان عندى حلم كبير فى طفولتى إنى ألعب فى النادى الأهلى، لكن كنت عارف إن الموضوع مستحيل مش بس صعب».

قرر الثلاثينى متابعة المباريات من أرضية الملعب، لاحظه أحد المدربين، وعرض عليه الانضمام لفريق القدرات الخاصة، فوافق، ونصحه بأن يكون حارس مرمى، ولكن بعد فترة من التدريبات أيقن المدرب أنه لن يصلح لهذا المركز، فاستبعده من الفريق، عن هذا الموقف قال: «قررت أكمل دراستى وأبعد عن الكورة، كنت خلاص تأكدت إنى مش هاينفع ألعب كورة حتى مع فرق ذوى الإعاقة، لكن كنت بحضر مباريات الأهلى وكل المباريات على استاد القاهرة».

لم يستسلم محمود عبدالعظيم، وتغلب على المعوقات التى اعترضت طريقه، واستطاع أن يستكمل رحلته التعليمية، ويحصل على ليسانس حقوق من جامعة عين شمس، واستطاع أن يكتب اسمه بحروف من نور بعدما نجح فى تأسيس منتخب مصر للساق الواحدة عام 2017.

بداية النجاح والشهرة فى حياته جاءت خلال مباراة منتخب مصر والكونغو المؤهلة لكأس العالم 2018، حينها انتشرت صورة له بعد انتهاء اللقاء لصالح المنتخب المصرى بنتيجة 2-1 ليضمن بذلك التأهل لنهائيات كأس العالم، الجميع كان سعيداً بهذا الفوز الصعب، خاصة أن هدف التقدم جاء قبل ثوانٍ من نهاية اللقاء، وخلال الاحتفالات نزل «محمود» ومعه العكازان، إلى أرض الملعب، وقام بعمل حركة استعراضية تعبيراً عن سعادته بهذا الفوز الثمين، وتابع: «فرحت على طريقتى بالعكازين، وصورتى اتنشرت على الحساب الرسمى للفيفا اللى اعتمدها كأفضل صورة لعام 2017».

وعن رحلة تأسيس المنتخب المصرى للمبتورين، قال: «كنت بتفرج على نهائى أمم أوروبا لكرة القدم للمبتورين، وتمنيت أن أؤسس فريق زيه فى مصر، والحلم ده فضل يراودنى سنوات، لحد ما ربنا كرمنا فى النهاية وقدرنا نؤسس المنتخب، ودلوقتى أنا كابتن الفريق، وصعدنا كأس العالم»، وأصبح محمود عبدالعظيم أول محترف خارج مصر للعبة كرة القدم للمبتورين بارزاً كمثال حى فى الإصرار، حيث يلعب حالياً بنادى «طرابزون سبورت» التركى.


مواضيع متعلقة