شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (5).. الأسير الفلسطيني أكرم أبو بكر: طلقت زوجتي حبا لها.. والتقيت بابني بعد 20 عاما من الفراق (خاص)

كتب: رؤى ممدوح

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (5).. الأسير الفلسطيني أكرم أبو بكر: طلقت زوجتي حبا لها.. والتقيت بابني بعد 20 عاما من الفراق (خاص)

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (5).. الأسير الفلسطيني أكرم أبو بكر: طلقت زوجتي حبا لها.. والتقيت بابني بعد 20 عاما من الفراق (خاص)

حوار: رؤى ممدوح
تصوير: محمد ليل

لسنوات طوال، ظل «أكرم أبوبكر»، يحمل فى قلبه ملامح زوجته وصوت طفليه، كأنهما نافذته الوحيدة على الحياة خارج القضبان، وبين تفاصيل المقاومة، ووجع الأسر، وحنين الأبوة، تمتد حكاية الأسير الفلسطينى المحرّر لأكثر من عشرين عاماً قضاها خلف جدران السجون الإسرائيلية، بعد أن حُكم عليه بثلاثة مؤبدات و30 عاماً إضافية. فى تلك السنوات القاسية، تعرّض لشتى صنوف التنكيل والانتهاكات، حتى اضطر إلى اتخاذ قرار مؤلم بالانفصال عن شريكة حياته، ليمنحها فرصة الاستمرار بعيداً عن قيود السجن. فى هذا الحوار، يفتح أكرم أبوبكر قلبه لـ«الوطن»، مستعيداً دوافعه الأولى للمقاومة، وعلاقته بزوجته التى لم تغب عن وجدانه، وتجربة الأبوة من خلف القضبان، ولقاءه المؤثر بابنه الأسير، وصولاً إلى لحظة الحرية.. وعودة الحب من جديد بعقد قرانه على رفيقة الدرب.


■ بداية.. حدّثنا عن خلفيتك ونقطة التحوّل التى دفعتك لاختيار طريق المقاومة.

- وُلدتُ فى طولكرم قبل 49 عاماً، وكنت منذ صغرى قريباً من نبض الشارع الفلسطينى، تعرّضت لما تعرّض له أبناء شعبى من ظلم الاحتلال، وشاركت وأنا طفل فى الانتفاضة الأولى التى عُرفت بـ«انتفاضة الحجارة» فى أواخر الثمانينات، وتعرّضتُ للاعتقال مرتين فى عامى 1992 و1993، وقضيت نحو 5 أشهر فى الأسر، ومع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 كنت قد تزوّجت حديثاً من زوجتى «طرب»، واستقبلنا مولودتنا الأولى «صابرينا»، التى لم يتجاوز عمرها أسبوعاً واحداً عندما بدأت المواجهات، وكان فى داخلى غليان لا يمكن وصفه.
وما دفعنى لاختيار طريق المقاومة أمران، أولهما: أنه كانت لى تجارتى الخاصة، وكنت أسافر إلى الأردن لشراء البضائع عبر جسر «اللنبى»، وهناك كنت أتعرّض فى كل مرة للإذلال والتفتيش المهين من جنود الاحتلال، فى تلك اللحظات كنت أقول فى نفسى لا أريد لابنتى أن تتعرّض يوماً لما أتعرّض له أنا والآلاف من أبناء شعبى، والأمر الآخر وهو نقطة الانطلاق فهى واقعة استشهاد الطفلة إيمان حجو، ذات الأربعة أشهر وصورتها والثقب فى صدرها لم تفارقنى، وتخيّلت أننى أرى فى وجهها ملامح ابنتى، وشعرت بأن مصيرها قد يكون ذاته، فكانت تلك هى الشرارة التى دفعتنى لترك كل شىء خلفى، وحمل البندقية دفاعاً عن كرامتنا ووطننا، وقرارى كان فردياً تماماً، لم أخبر زوجتى حينها، وعندما علمت لم تمنعنى، لكنها كانت خائفة طوال الوقت.

■ كيف أثّرت تلك المرحلة على حياتك الزوجية والعائلية؟

- زوجتى دفعت ثمن قرارى غالياً، فقد عاشت فى خوف دائم، لأنها كانت تعلم أن من يختار طريق المقاومة فى فلسطين يدرك أنه أمام أربعة مصائر لا خامس لها، إما الشهادة أو الأسر أو الإعاقة أو المنفى، وكنت مطارداً لمدة عامين، وكان اسمى مدرجاً على قوائم الاغتيال، وخلال تلك الفترة كنا نلتقى خلسة فى الجبال أو فى منازل أصدقاء فى القرى المجاورة، لأن دخولى مدينة طولكرم كان مستحيلاً بسبب التعميم الأمنى على اسمى.

■ وكيف كانت طرق التواصل بينكم؟

- كانت طرق التواصل بيننا معقّدة جداً حتى لا يتم تعقبنا، وكنت أرسل أحد المقربين ليبلغها برسالة مشفرة عن مكان وجودى، وأتذكر موقفاً لا أنساه، عندما رتبت لقاءً معها هى وابنتى فى قرية نائية اسمها «رابا» قُرب محافظة جنين وتقع على سفح أحد الجبال، وهى قرية بسيطة جداً بلا كهرباء ولا خدمات، لكننى فوجئت بخبر اقتراب قوات الاحتلال من المنطقة، فاضطررت إلى المغادرة على الفور دون رؤية زوجتى، ومكثت هى يومين لا تعرف ما يجرى، وكانت محرجة من أصحاب البيت الذين لا تعرفهم، ولم تتوقف عن البكاء.

أكرم

■ ذكرت أنك اتخذت قراراً إنسانياً مؤلماً داخل السجن يتعلق بزوجتك.. ماذا حدث بالضبط؟

- بعد عام من اعتقالى، أرسلت رسالة إلى والد زوجتى من داخل السجن أقول له فيها إن ابنته حرة فى أن تختار طريقها متى قرّرت ذلك، فعلت ذلك لأننى أحبها كثيراً ولا أريد أن تتوقف حياتها بسببى، فأنا لم أكن أعلم إن كنت سأخرج يوماً أم لا، لكن الرد جاء بالرفض، وقالوا لى إنها ستظل زوجتى الوفية ولن تتركنى. كنت أحتفظ بتلك الرسالة فى زنزانتى حتى جاء السجانون ومزقوها خلال إحدى المداهمات، وكان ذلك مؤلماً جداً لى نفسياً، وفى عام 2009، وبعد سنوات من المعاناة والاقتحامات المستمرة لبيتنا، قرّرت أن أطلقها فعلياً، كان قراراً بالغ الصعوبة، لأننى بذلك حرمت نفسى من رؤية أولادى وزوجتى. لكنها رغم كل شىء صانت البيت وربّت الأبناء خير تربية، ومهما قُلت فلن أوفيها حقها.

■ هل كان هناك تواصل بينكما خلال سنوات الأسر الطويلة؟

- نعم، كنت أحرص على التواصل معها ومع أولادى رغم كل القيود. كنا نقوم بتهريب أجهزة الهاتف المحمول إلى داخل السجن بمساعدة شريكتى وابنتى، لأن إدارة السجون كانت تمنعنا من الزيارات كجزء من سياسة التنكيل والضغط، كان سماع صوتهم يُخفّف عنى كثيراً من قسوة الأسر، ويعيد لى الإحساس بالحياة.

■ ذكرت أنك التقيت ابنك سميح داخل السجن.. كيف حدث ذلك اللقاء الاستثنائى؟

- ابنى «سميح» وُلد قبل اعتقالى بـ9 أشهر فقط، وكان رضيعاً وقتها، كبر بعيداً عنى، لكن يبدو أن جينات المقاومة كانت تسرى فى دمه، فقد اختار الطريق ذاته، واعتُقل هو الآخر وحُكم عليه بـ3 سنوات، عندما علمت أنه فى سجن مجدو، وأنا فى نفحة الصحراوى، بدأت نضالاً جديداً داخل السجن حتى ألتقيه، أعلنت إضراباً عن الطعام، ورفضت الانصياع لقوانينهم، وتضامن معى عدد من الأسرى، وبعد 8 أشهر من الضغط، وتحديداً فى أغسطس عام 2023، استجابت إدارة السجون ونقلته إلى السجن نفسه، لم يخبرونى بموعد وصوله، وأثناء ممارستى الرياضة فى الساحة الخارجية، طلب منى أحد الأسرى من أصدقائى أن أرافقه إلى مكتب الإدارة، وهناك كانت المفاجأة وأسعد لحظاتى فى السجن، رأيت ابنى أمامى بعد عشرين عاماً، وكانت مشاعر لا يمكن وصفها، ركضت نحوه، احتضنته، وشممت رائحته. لم أصدّق أن ما أراه، كان شاباً قوى البنية، يشبهنى فى ملامحى وحركاتى، تشاركنا الزنزانة نفسها، والسرير ذاته، وكنت أحاول أن أعيش معه السنوات التى ضاعت، كان يملأ السجن بالحيوية، يساعدنى فى تفاصيل الحياة اليومية، وكنت أوبخه أحياناً كأى أب، فيضحك دائماً، لكننا افترقنا مجدّداً بعد شهور قليلة مع اندلاع العدوان على غزة، حين تم نقله إلى سجن رامون. ورغم الألم، أحمد الله على ذلك، لأنه لم يكن ليحتمل رؤيتى وأنا أتعرّض للإهانة والضرب والسحل ضمن الانتهاكات اليومية التى كنا نتعرّض لها بعد الحرب.

■ كيف أثرت تجربة السجن الطويلة على رؤيتك للحياة والحرية؟

- السجن يصنع منك إنساناً آخر، أكثر ما كنت أخشاه أن تمر السنوات فأصبح عاجزاً أو شيخاً لا يستطيع خدمة نفسه، لكننى كنت أقاوم ذلك بالقراءة والرياضة، كنت أقرأ كثيراً للكاتب الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل، وأتأمل فكره، وكان بالنسبة لى مصدر إلهام، ورأيت فيه نموذجاً للعروبة والفكر الحر.

أكرم

■ كيف عشت لحظة الإفراج بعد أكثر من عقدين خلف القضبان؟

- لا يمكن للكلمات أن تصف تلك اللحظة، قبل يومين من الإفراج عنى كانت زوجتى فى الأردن، ولم تكن متأكدة أن اسمى مدرج ضمن قائمة الأسرى المحررين، لكن عندما وصلتُ إلى القاهرة، وجدتها فى استقبالى مع ابنتى صابرينا وشقيقها الأكبر، فى تلك اللحظات تجمّد الزمن، رأيت وجهها بعد أكثر من عشرين عاماً، ولم أتمالك نفسى من البكاء، قالت لى إنها ترغب فى لمّ شملنا والزواج من جديد، وهذا ما حدث بالفعل، كانت بمثابة ميلاد جديد بعد عمرٍ من الألم، ورغم فرحة تحرّرى إلا أنّ قلبى يتمزّق لأننى خرجت وتركت آلاف الأسرى خلفى ومنهم ابنى.

■ غزة كانت حاضرة فى حديثك.. كيف تراها اليوم؟

- غزة هى جرحنا الكبير ومصابنا الأعظم، دفعت ثمناً لا يمكن تخيله من أجل تحريرنا، نحن نخجل أمام تضحياتها، ونشعر أننا صغار أمام ما قدّمته، حين أضحك أشعر بتأنيب الضمير، لأن بيوت العزاء لا تزال مفتوحة هناك. وأقولها بصدق أمام الله، لو كنا نعلم نحن الأسرى أن حريتنا سيكون ثمنها هذا الكم من دماء أهل غزة، ما كنا لنقبل بها، سنبقى أوفياء لهذه التضحيات، وننحنى احتراماً لها، فهى نموذج للمقاومة التى لا تموت.

أكرم

■ أخيراً.. ماذا تقول لمصر بعد أيامك الأولى فى حريتك؟

- مصر لا يمكن وصفها إلا بأنها ملاذ آمن وضمير الأمة العربية، احتضنتنا منذ لحظة خروجنا من الأسر كما لو كنا أبناءها، منذ أن وطئت قدماى أرض القاهرة، شعرت بأننى أعود إلى الحياة من جديد، فهذه الأرض التى لطالما ساندت قضيتنا واحتضنتها سياسياً وشعبياً، أعادت لى الإحساس بالأمان بعد سنوات طويلة من الخوف والحرمان، لم أصدّق كم الحفاوة التى وجدناها، كرم المصريين وقلوبهم الطيبة لا يمكن وصفهما، كل لحظة هنا تذكرنى بمعنى العروبة الحقيقية التى كدنا نظن أنها اندثرت. وأقولها بكل صدق وامتنان: مصر ليست محطة عبور نحو الحرية، بل وطن ثانٍ احتوانا وضمد جراحنا وذكّرنا أننا ما زلنا جزءاً من جسد عربى واحد، وأتوجّه بالتحية والتقدير لكل من ساهم فى استقبالنا ورعايتنا، من القيادة المصرية إلى المواطن البسيط، فهذه المواقف لا تُنسى وستظل محفورة إلى الأبد فى ذاكرتنا وذاكرة كل أسير فلسطينى تحرّر على أرضها.