«طفل المنشار» تخلّص من صديقه بأبشع طريقة في الإسماعيلية.. كلمة السر «Dexter»
«طفل المنشار» تخلّص من صديقه بأبشع طريقة في الإسماعيلية.. كلمة السر «Dexter»
كانت عقارب الساعة تقترب من التاسعة مساء يوم الثلاثاء الماضي.. قسم شرطة أول الإسماعيلية هادئ كعادته في نهاية اليوم.. في المكتب المضيء كان المقدم أحمد جمال، رئيس المباحث.. يجلس على مكتبه.. يقلب فى أوراق قضية سرقة دراجة نارية ضبطت حديثاً.. يراجع محاضر التحريات.. ويستمع إلى حديث أحد معاونيه عن خلاف جيران انتهى بمشاجرة بسيطة.. حتى فتح الباب فجأة.. ودخل رجلٌ تبدو على وجهه علامات السهر والإنهاك.. ملابسه غير مرتبة.. صوته مبحوح، عيناه حمراوان من كثرة البكاء، اقترب بخطواتٍ مترددة من مكتب الضابط وقال بصوتٍ متقطع: «يا بيه.. ابنى بقاله 3 أيام مختفي.. اسمه محمد.. عنده 12 سنة».
رفع «جمال» رأسه من فوق الأوراق.. حدّق في الرجل للحظات.. ثم أشار له بالجلوس، ومدَّ يده نحو زر الجرس لاستدعاء الأمين المناوب: «مفيش حد يدخل عليا»، وقال بهدوءٍ اعتاده في مواجهة المآسي اليومية: «اطمن.. احكي لي من الأول خالص»، جلس الأب على الكرسي المقابل، يضغط على يديه المرتجفتين كمن يحاول أن يصدق أنه يتحدث عن ابنه الغائب.
بدأ صوته يتهدج وهو يروي التفاصيل: «خرج من البيت يوم الأحد.. رايح ياخد درس عند صاحبه يوسف، ومن وقتها مارجعش.. وتليفونه مقفول، ومالوش أي أثر».
كتب الضابط الملاحظات بسرعة، بينما كان المقدم أحمد جمال يستمع بعينين ثابتتين.. لكن في داخله كان يدرك أن 3 أيام تعني أن الوقت يضيق، وأن القضية لم تعد «تغيب طفل» بل ربما بداية واقعة غامضة.
«يا فندم في بلاغ تاني عن مشاجرة في نفيشة»، لوَّح له الضابط بيده دون أن يرفع نظره عن الأب، وقال: «خلّيهم يستنّوا.. البلاغ ده أهم».
بعد دقائق، كان الأب يجلس أمام جهاز الكمبيوتر مع ضابط المراقبة الجنائية، يراجعون الكاميرات المحيطة بمنطقة سكنه.
وفي أثناء العرض.. توقفت الصورة عند لقطةٍ صغيرة، الطفل محمد يدخل منزل صديقه يوسف أيمن في هدوء، ثم الشاشة تظلم، لا خروج، ولا عودة.
آنذاك نظر المقدم إلى الأب وقال بهدوءٍ ثقيل: «إحنا هنكمل الشغل طول الليل، ماتقلقش، هنرجّعه».
غادر الأب القسم بعد أن دوّن البلاغ رسمياً، بينما بقى المقدم في مكتبه يتأمل شاشة الكاميرات الموصولة بغرفة المتابعة، يراجع اللقطات الأخيرة التى ظهر فيها الطفل «محمد».
الساعة تجاوزت منتصف الليل، والمدينة غارقة فى الصمت.
فى الخارج، سيارات الشرطة تتحرك فى دوريات متتابعة، وأجهزة اللاسلكي لا تتوقف عن البث.
تلقى المقدم اتصالاً من العقيد محمد هشام، مفتش المباحث: «وصلني بلاغك.. دي مش واقعة تغيب عادية، ابن 12 سنة مش ممكن يختفي كده، اشتغلوا على آخر مكان ظهر فيه».
أغلق الخط، ثم نظر إلى معاونيه، قائلاً: «عايز كاميرات كل الشوارع اللي بتوصل من بيته لبيت صاحبه.. نراجع كل حاجة فريم بفريم».
بدأ الفريق في تفريغ اللقطات من المحال والمنازل القريبة، حتى ظهرت الصورة التي جعلت المقدم يجلس فى صمتٍ للحظات، يمرر يده على جبينه بتوتر.
والصورة كانت واضحة، «محمد» يدخل منزل يوسف أيمن عبدالفتاح، 13 عاماً، في تمام الرابعة عصراً، بعدها بدقائق، تُغلق الستائر، وتختفى الحركة داخل الشقة.
صباح يوم الأربعاء الماضي، تحركت قوة من المباحث بقيادة المقدم أحمد جمال، ومعه فريق البحث الجنائي إلى قرية نفيشة، وجاء في المعاينة: «البيت قديم نسبياً، من طابقين، يطل على شارع جانبى ضيق تغمره رائحة الطهي القديمة وهدوء الريف»، وبمجرد أن فُتح باب غرفة الجلوس حتى سادت لحظة صمت ثقيلة، رائحة دمٍ نافذة امتزجت برائحة مواد تنظيف قوية، كأن أحدهم حاول محو ما لا يُمحى، على الأرض آثار مسح متكرر، بقع صغيرة حمراء متيبسة، وقطرات عالقة على أطراف المكتب.
إلى جوار الحائط وُجد منشار كهربائي لتقطيع الأخشاب، وعليه نقاط داكنة اللون، بجواره قفازات طبية ملوثة بالدماء، وملاءة سرير بها أثر سحب على الأرض.
قال أحد الضباط وهو ينحني ليفحص البقع: «دي دماء حديثة يا فندم.. لسه ما نشفتش»، وأشار المقدم جمال إلى رجال الأدلة الجنائية: «صوّروا كل حاجة.. كل تفصيلة».
تحرك على الفور فريق البحث لمراجعة الكاميرات المثبتة على الشوارع الجانبية في نفيشة، ظهر «يوسف» فجر الثلاثاء، يسير بمفرده، يحمل على ظهره حقيبة مدرسية وفى يده أكياس بلاستيكية سوداء، ملامحه متوترة، ينظر خلفه بين كل خطوة وأخرى، ويتجه نحو طريقٍ ترابى يقود إلى منطقة معزولة تُعرف باسم البركة.
أصدر «جمال» أمره الفوري بتحريك قوة مشتركة من المباحث والشرطة إلى المنطقة، وبعد تمشيط استمر ساعات طويلة، توقف أحد الأفراد وهو يشير إلى كومة من القمامة تغطي كيساً أسود كبيراً.
تم رفعه بحذر، وبداخله أشلاء صغيرة ملفوفة في قماشٍ أزرق، وقطعة حذاء لطفل، هنا تجمّد الجميع فى أماكنهم، وقال أحد الضباط بصوتٍ مبحوح: «هذا هو الطفل».
سادت لحظة من الصمت، لم يقطعها سوى صوت الأب القادم من بعيد وهو يصرخ بعدما علم بما جرى لابنه.
بعد ساعات من البحث، جرى القبض على «يوسف» في منزل أحد أقاربه بالإسماعيلية الجديدة، كان صامتاً، لا يظهر عليه الخوف، فقط نظرات زائغة، وكأنه يعيش خارج الزمن.
جلس أمام محقق النيابة الذى سأله بلهجة هادئة: «يوسف.. قتلت صاحبك ليه؟» ردّ بصوتٍ خافت دون أن يرفع عينيه: «كنت بشوف مسلسل اسمه Dexter.. وكنت عايز أجرب».
تجمّد المحقق في مكانه للحظة، ثم سأله من جديد: «جربت إيه يا يوسف؟»، أجابه بصوتٍ خالٍ من المشاعر: «جربت أعمل زيه بالمنشار».
فى اليوم التالى، أُعيد «يوسف» إلى منزله لتمثيل الجريمة بالصوت والصورة، أشار إلى المكان الذى جلس فيه «محمد»، ثم إلى المنشار الكهربائى، ثم إلى الأكياس، كل حركة كانت باردة، خالية من الإحساس، وعقب الانتهاء من تسجيل اعترافات المتهم، قررت النيابة حبسه على ذمة القضية، ومن المقرر إحالة المتهم إلى المحاكمة الجنائية، بعد أن تسلمت النيابة تقرير الطب الشرعى الذى جاء مطابقاً لأقوال المتهم وتصور الجريمة.