علي ميثم نظري يكتب لـ«الوطن»: كيف تُشكِّل «طالبان والقاعدة» خطراً على الشرق الأوسط الكبير؟

كاتب صحفي

تُحرز اليوم دول كثيرة فى الشرق الأوسط تقدماً فى تنويع اقتصاداتها وفى الابتكار التقنى، لا سيما فى مجال الذكاء الاصطناعى، وعلى النقيض من ذلك، تتجه جنوب آسيا وآسيا الوسطى إلى التراجع
، مع تمركز أفغانستان فى قلب المشهد منذ عودة طالبان فى أغسطس 2021 بعد عشرين عاماً من الوجود العسكرى للولايات المتحدة.

فقد حوّل تجدد نشاط طالبان والقاعدة أفغانستان إلى مركز للإرهاب الدولى يستقطب مقاتلين من أنحاء آسيا وأفريقيا، خصوصاً من الشرق الأوسط، بما يخلّف تداعيات امتدادية تهدد المجتمعات المسلمة مباشرة إذا تُرك هذا الواقع من دون ردع.

تعمل طالبان والقاعدة اليوم ضمن شراكة عضوية متبادلة داخل أفغانستان. فقد أعادت القاعدة ترسيخ وجودها هناك وتستفيد من حماية طالبان وبيئتها المتساهلة، فيما تحصل طالبان فى المقابل على غطاء أيديولوجى وخبرة عملياتية وروابط خارجية. معاً، يسخّران الدين لتبرير العنف والقمع، ويدفعان دولة إسلامية أعواماً إلى الخلف عن المسيرة العالمية للتقدم الاجتماعى والسياسى والاقتصادى والثقافى. وكحال تنظيم داعش وسائر الجماعات التى تسىء استخدام الدين، يستغلان الإيمان لدفع المجتمعات المسلمة نحو عدم الاستقرار والعنف والتخلّف التنموى.

ولهذه الشراكة آثار إقليمية ملموسة. فقد أصبحت أفغانستان ملاذاً آمناً ومنصّة انطلاق لعدد كبير من التنظيمات الإرهابية الإقليمية والدولية التى تضم آلاف المقاتلين الأجانب. وكادت كلّ شبكة تنشط فى جنوب آسيا وآسيا الوسطى أن تؤسس وجوداً داخل أفغانستان التى صارت مركز تجميع للتجنيد والتدريب والتمويل والدعاية عبر الإنترنت. وتشكّل طالبان والقاعدة وفرع ولاية خراسان، التابع لتنظيم داعش، المعروف باسم داعش خراسان ISKP، قوة تدميرية ومزعزِعة للاستقرار تهدد جنوب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط على حد سواء.

وبالنسبة لدول الشرق الأوسط الإسلامية، فإن المخاطر فورية. فعدم الاستقرار المتأتى من هذا المركز يعرّض للخطر ممرات الطاقة والتجارة التى تربط الخليج بجنوب آسيا وآسيا الوسطى، وخطوط الطيران المدنى فوق بحر العرب، وحركة الملاحة فى فضاء المحيط الهندى الأوسع. كما يغذّى تدفقات المخدرات والميثامفيتامين العابرة للحدود بما يرهق المنظومات الصحية. ويُسَرِّع جهود التجنيد والدعاية بلغات عربية على الإنترنت لاستهداف الشباب. كذلك يزيد ضغوط الهجرة غير النظامية عبر إيران باتجاه المشرق والخليج، بما يضاعف التحديات الإنسانية والأمنية.

داخل أفغانستان أبقت طالبان الشعبَ الأفغانى فى عتمة الأفكار المتطرفة، فيما تستضيف وتُمكّن المتطرفين المسلحين الحلفاء. وقد شجعت عودتها الجماعات الإرهابية والمعادية للدولة فى البلدان المجاورة، مثل حركة طالبان باكستان TTP فى باكستان وحركة أنصار الله فى طاجيكستان، على الاستعداد لقلب أنظمة الحكم، معتبرةً نموذج طالبان دليلاً على إمكانية تفكيك المؤسسات والاستيلاء على السلطة بالعنف. وتمثّل التنظيمات المسلحة التى تزعم شرعية دينية تهديداً خطيراً لأن عناصرها يُستجلبون من متطرفين عبر المنطقة والعالم. ومن ثم، فإن تحوّل أفغانستان إلى ملاذ لهذه القوى يشكّل خطراً جسيماً ليس على جيرانها فى جنوب آسيا وآسيا الوسطى فحسب، بل على دول الشرق الأوسط أيضاً.

ويزيد هذا الخطر تعقيداً أن طالبان والقاعدة تؤمّنان مأوى وتسهيلات وغطاءً أيديولوجياً لحركة طالبان باكستان TTP. فهذه الشبكة تستخدم أراضى أفغانستان لإعادة التنظيم والتجنيد والتخطيط لهجمات ضد الدولة الباكستانية والمدنيين. وباكستان دولة نووية، وأى تصاعد للعنف فيها ستكون له عواقب مباشرة وفورية على المنطقة بأسرها، من استقرار الأوضاع إلى تدفقات اللاجئين وتصاعد العنف العابر للحدود. وطالما ظلّت طالبان فى الحكم، ستوسّع منظمتها الشقيقة التى تستهدف الحكومة والشعب فى باكستان عملياتها ومواردها، ما يرفع مخاطر زعزعة أوسع ستنعكس حتماً على الشرق الأوسط.

فى هذه المرحلة الحساسة تحتاج المجتمعات المسلمة إلى الوحدة والتضامن فى كفاح مشترك ضد الإرهاب والتطرف الدينى. ومن خلال سياسات عامة رشيدة تستطيع الدول الإسلامية، لا سيما دول الشرق الأوسط، أن تؤدى دوراً حاسماً فى تعزيز إسلام معتدل قائم على العقل وفى عزل الجماعات العنيفة. وينبغى للدول أن تقوى سياساتها الرسمية الرافضة للعقائد المتطرفة، وأن تعمّق التعاون مع الحركات المعتدلة والمسئولة فى آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وأن توسّع الإجراءات العملية ذات الأثر المباشر، ومنها تعطيل التمويل الإرهابى، وتحسين إدارة الحدود، وتنسيق أمن الطيران والملاحة، وإطلاق مبادرات لمكافحة التطرف فى الفضاءات الإعلامية العربية، ودعم الشركاء المحليين الموثوقين.

تمتلك دول العالم الإسلامى إمكانات كبيرة للتنمية والتقدم. وبإعادة ضبط المسار واعتماد سياسات بعيدة النظر، يمكنها مواكبة الابتكار العالمى. ويقف من أقوى العوائق أمام ذلك انتشار المعتقدات المتطرفة ونشاط الجماعات الإرهابية ذات الأيديولوجيا العنيفة. ولتفادى انهيار المؤسسات وتحقيق نمو اقتصادى مستدام والمشاركة الكاملة فى اقتصاد عالمى قائم على التنمية، تصبح مكافحة الإرهاب والتعاون مع القوى المعتدلة المثبِّتة للاستقرار مهمةً ضرورية وملحّة.

واليوم بات الإرهاب فى جنوب آسيا وآسيا الوسطى، مع تمركزه فى أفغانستان، أشدّ قوة مما كان عليه إبّان هجمات الحادى عشر من سبتمبر فى الولايات المتحدة، لأن طالبان والقاعدة تدعمان معاً مقاتلين دوليين وجماعات حليفة، ولأن أفغانستان أصبحت ملاذهم الآمن. وتتمدد التنظيمات الإرهابية الإقليمية والدولية وتترسخ بحرية تحت حكم طالبان. وتقع على عاتق دول العالم، لا سيما دول هذه المنطقة الأوسع والعالم الإسلامى، مسئولية جسيمة لخوض كفاح مشترك وجذرى لوقف هذه الموجة التدميرية من التطرف. ويجب أن تكون هذه المواجهة من أولويات الشرق الأوسط المحورى جيوسياسياً وجيوستراتيجياً، لأنها موقف إنسانى ينحاز إلى العدل والحرية والمساواة.

رئيس العلاقات الخارجية لجبهة المقاومة الوطنية الأفغانية