محمود الجارحي يكتب: جريمة أطفال فيصل.. حين تجرّع الصغار السم في أكواب الموت
محمود الجارحي يكتب: جريمة أطفال فيصل.. حين تجرّع الصغار السم في أكواب الموت
في الساعات الأولى من صباح السبت الماضي، خيّم الصمت على شارع محمود حربي بمنطقة اللبيني بفيصل التابعة لقسم شرطة الهرم، لم يكسر السكون سوى صرخة مدوية خرجت من أحد الأهالي بعد أن عثر على طفلين صغيرين ملقيين أمام مدخل العقار رقم 16، أحدهما لا يتحرك والآخر يتنفس بصعوبة، صرخة هزّت القلوب قبل أن تهز الجيزة كلها… لتبدأ مأساة إنسانية.
عندما وصلت قوات الشرطة إلى موقع البلاغ، كان المشهد موجعًا.. الطفل "سيف الدين حماده" 13 عامًا، يرقد بلا حراك بملابسه المدرسية، وجهه شاحب كأن الحياة غادرته لتوها، وبجواره شقيقته "جنى"، 11 عامًا، تحتضر في صمت، تتشبث بخيط الأمل الأخير قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد ساعات داخل مستشفى الهرم.. ملامحهما الطفولية كانت كافية لتُبكي أعتى القلوب، فالثنائي لم يعرفا من الدنيا سوى المدرسة والبيت والضحك الخافت في المساء، لكن النهاية جاءت على يد من لم يعرف الرحمة.. عقب العثور على جثامين الأطفال.. تلقى قسم شرطة الأهرام بلاغًا من الأهالي بالعثور على الطفلين أمام العقار رقم 16، بشارع محمود حربي في اللبيني.
بمجرد تلقى البلاغ تحركت قوة أمنية بقيادة المقدم مصطفى الدكر رئيس مباحث الهرم، وضمّت الرائد أحمد عبادة والنقيبين محمد شريف وأحمد كمال، تحت إشراف العميد عمرو حجازي رئيس مباحث قطاع غرب الجيزة، وبتوجيه من اللواء هاني شعراوي نائب مدير الإدارة العامة للمباحث، وبإشراف مباشر من اللواء محمد مجدي أبو شميلة مساعد أول وزير الداخلية لقطاع أمن الجيزة.. جاء فى المحضر: "المبلغ كان شابًا يدعى إسلام جمال الدين، 32 سنة، يعمل لحامًا ويسكن في الطابق الثاني من نفس العقار.. روى أنه أثناء نزوله من شقته متجهًا إلى عمله، فوجئ بالطفلين على الأرض، فارتبك واتصل بالشرطة على الفور دون أن يعرف من هما".
جاء فى التحريات والتحقيقات إلى والد الأطفال يدعى حماده عيد 36 سنة، فرد أمن بمخازن ماركت مترو بأكتوبر، ويقيم بمنشية البكاري.. لم يكد يسمع الخبر حتى انهار، وأخبر رجال المباحث أن زوجته تدعى زيزي، 32 سنة، كانت قد تركت منزل الزوجية منذ يوم 27 سبتمبر الماضي، مصطحبة أطفالها الثلاثة "سيف – جنى – مصطفى" بعد خلافات حادة بينهما بسبب شكوكه في سلوكها.
وأوضح الأب أنه حرر محضرًا بالواقعة رقم 15616 لسنة 2025 إداري الهرم في 5 أكتوبر الجاري، بعد أن علم أنها لم تتوجه إلى منزل أسرتها في شبرا الخيمة كما ادّعت.
في اليوم التالي، تلقت الشرطة إخطارًا من المستشفى بوفاة الطفلة "جني" متأثرة بإصابتها.. فريق المباحث أجرت تحريات ووسع دائرة الاشتباه وبدأت القوات بقيادة المقدم مصطفى الدكر في تتبع تحركات الأم الغائبة.. خيوط كثيرة تشابكت.. لكن التحريات وفحص الكاميرات وتتبع هاتف والدة الأطفال توصلت الى انها مقيمة فى المنطقة داخل شقة سكنية بصحبة رجل يُدعى أحمد محمد 38 سنة، صاحب محل أدوية بيطرية في بولاق الدكرور.. وتم استئذان النيابة العامة، وبمداهمة شقة المشتبه فيه، ألقى القبض عليه ومواجهته، انهار واعترف بجريمة تفوق الوصف.
وجاء فى التحريات اعترف المتهم أنه تعرف على الأم منذ ثلاثة أشهر أثناء ترددها على محله، ونشأت بينهما علاقة غير شرعية.. تركت منزل زوجها واصطحبت أطفالها الثلاثة لتقيم معه في شقة مستأجرة بشارع سليم بالهرم لمدة شهر، لكنه اكتشف خلال تلك الفترة أنها على علاقات أخرى بعدة رجال، فاشتعل الغضب في صدره وبدأ يُخطط للانتقام.. استغل طبيعة عمله في الأدوية البيطرية، فجهز خليطًا من مادة كاوية ممزوجة بعقار مهدئ (كلوزابكس)، وقدم لها العصير القاتل يوم 21 أكتوبر.. سقطت الأم أمامه تتلوى من الألم، لفظت أنفاسها الأخيرة في دقائق، فنقلها إلى مستشفى القصر العيني مدعيًا أنها زوجته باسم مزيف "علي محمد علي خليفة"، وتركها هناك وغادر.
ولم يكتفِ المشتبه فيه بجريمته.. قرر إنهاء حياة الأطفال أيضًا.. في يوم 24 أكتوبر، اصطحبهم للتنزه في منطقة كفر غطاطي على ترعة المنصورية، وقدم لهم العصائر ذاتها التي خلطها بالسم.. تناول الطفلان "سيف" و"جنى" العصير، فسقطا في حالة إعياء، بينما رفض الأصغر “مصطفى” شربه، فقام القاتل بإلقائه في مياه الترعة للتخلص منه.. عاد بالطفلين إلى شقته، وبعد أن توفي "سيف" واشتدت حالة "جنى".. استدعى صديقه رمضان صالح، 54 سنة، العامل لديه، لمساعدته في التخلص من الجثتين.. استعان الاثنان بطفل سائق "توكتوك" يبلغ من العمر 15 عامًا يُدعى عمر صاري فخر صاري، لا يعلم شيئًا عن الجريمة، ونقلا الطفلين إلى مدخل العقار وتركوهما هناك قبل أن يلوذا بالفرار.. بإرشاد المتهم، تمكنت قوات الإنقاذ من انتشال جثمان الطفل الثالث "مصطفى" من ترعة المنصورية، لتكتمل المأساة بوفاة الأم وأطفالها الثلاثة جميعًا بالسم نفسه.
وجاءت نهاية القصة كما بدأت.. صمت قاتم في الشارع ذاته، ودموع لا تتوقف.. أم ضلت الطريق، ورجل فقد إنسانيته، وثلاثة أطفال دفعوا الثمن الأكبر.. مأساة ستبقى عالقة في ذاكرة الجيزة طويلاً.. الغيرة حين تمتزج بالشر، لا تقتل جسدًا واحدًا، بل تُطفئ نور عائلة كاملة.
