ما تشهده القاهرة هذه الأيام من جلسات حوارية بين الفصائل الفلسطينية، ليس مجرد اجتماعات روتينية، بل هو امتداد حى للدور التاريخى الذى تقوم به مصر، حكومة وشعباً، كحصن منيع للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطينى.
مصر تعيد الحياة من جديد إلى المشروع الوطنى الفلسطينى، وتؤكد بأن «اللاءات الثلاث» التى أعلنها رئيسها عبدالفتاح، منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلى الهمجى على غزة -رفض التهجير، ورفض تصفية القضية، ورفض تحويل غزة إلى «ريفييرا»- ليست شعارات للمعارك السياسية القديمة، لكنها مبادئ لا تقبل الفصال أو المساومة.
ولا يمكن فهم العمق الاستراتيجى للجهود المصرية الحالية دون تشريح دقيق لطبيعة الانقسام الفلسطينى، فالانقسام الفلسطينى / الفلسطينى هنا ليس مجرد خلاف إدارى أو تنافس على النفوذ بين الفصائل.
هذا الانقسام يعبر عن أزمة نظام سياسى تم تفعيله -بشكل مباشر أو غير مباشر- لخدمة المشروع الإسرائيلى، لتحويل القضية من صراع وجودى بين شعب تحت الاحتلال ودولة احتلال، إلى حرب كلامية داخلية، تبدد الطاقات، ويُقتَل فيها المناضل بلسان أخيه قبل أن تطاله رصاصات العدو.
ومن أخطر تداعيات هذا الانقسام هو إهداره للفرص التفاوضية، حيث لا يمكن لفريق مفاوض أن يصل إلى اتفاقيات ذات مصداقية وهو يعلم أن هناك قوى فلسطينية خارج العملية ستعمل على تقويضها.
وظلت هذه الإشكالية بالذات، هى ذريعة إسرائيل الدائمة -والمثلى- للتهرب من التزاماتها، وتصدير الصورة الزائفة للعالم بأن تشن حرباً على الإرهاب. وفى المقابل قدّم الانقسام الفلسطينى للعالم، صورة مشوّهة عن الفلسطينيين، كشعب عاجز عن إدارة نفسه، ومن ثم وجدت الدعاية الإسرائيلية الطريق ممهداً لطمس حقيقة الصراع.
الوحدة الوطنية الفلسطينية التى تسعى إليها مصر، هى خارطة الطريق الاستراتيجية، التى تحتاج إلى برنامج تنفيذى واضح.
ولعل بيان القوى والفصائل الفلسطينية المجتمعة فى القاهرة الصادر قبل يومين، يشكل نواة صلبة لهذا البرنامج.
فالاتفاق على دعم وقف إطلاق النار، وسحب قوات الاحتلال، ورفع الحصار، وفتح المعابر، وإعادة الإعمار، كلها خطوات عملية تمس حياة المواطن الفلسطينى مباشرة، وتعيد بناء جسور الثقة بينه وبين قياداته.
لكن الطريق لا يتوقف عند هذا الحد. فالوحدة الحقيقية يلزمها مباشرة توحيد الجهة المفاوضة، من خلال تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية كمظلة جامعة، ومقبولة لجميع الفصائل -ومن بينها حركة حماس- ليعمل الجميع تحت قيادة عامة واحدة، تمثل الشرعية الجامعة للشعب الفلسطينى فى الداخل والشتات.
ولا بد من اتفاق كل الفصائل على وضع استراتيجية مقاومة مرنة، تجمع بين العمل السياسى والدبلوماسى الدولى، وأشكال النضال المشروعة كافة، دون أن يلغى أحدها الآخر، مع مراعاة المرونة التكتيكية بناءً على الظروف الجغرافية والسياسية.
ولا يقل أهمية عن ذلك، الاتفاق على آلية محددة لتنسيق الأنشطة المقاومة فى مختلف المدن، لتحقيق أقصى استفادة تكتيكية وتجنب الفوضى التى تتحول -فى أغلب الأحيان- إلى معارك داخلية طاحنة.
الالتزام المصرى الثابت بدعم الدولة الفلسطينية ليس مجرد موقف دبلوماسى، لكنه خط أحمر أمنى وقومى.
القاهرة تدرك أن أمنها القومى متصل عضوياً باستقرار الوضع الفلسطينى، والوحدة الفلسطينية التى تسعى إليها مصر، ستمنح الجميع فرصة التعامل مع طرف فلسطينى قوى وموحد، مما يعظم من فاعلية الدعم العربى والدولى، ويحول دون إضاعة الوقت والجهد فى محاولات الجمع بين أطراف متعارضة.
الخيار اليوم أصبح أكثر وضوحاً من أى وقت مضى، فإما البقاء بالوحدة، أو خطر الاندثار بالانقسام. الوقت يدق ناقوس الخطر، فالمتاح اليوم على طاولة الحوار فى القاهرة، ربما لن يتاح مرة أخرى.
هنا القاهرة، تمد جسور الحياة لمشروع وطنى كان على حافة الهاوية، وهنا فلسطين، تثبت مرة أخرى أنها القضية التى لا تموت، لأن شعبها متمسك بأرضه، وأمتها متمسكة بحقها، ومصر لن تتخلى.