شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (6).. مدبر «زقاق الموت»: قضيت 23 عاما في الأسر وحُكم علىّ بثلاثة عشر مؤبدا

كتب: رؤى ممدوح

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (6).. مدبر «زقاق الموت»: قضيت 23 عاما في الأسر وحُكم علىّ بثلاثة عشر مؤبدا

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (6).. مدبر «زقاق الموت»: قضيت 23 عاما في الأسر وحُكم علىّ بثلاثة عشر مؤبدا

بين جدران خرسانية رمادية اللون، وبين صمت مخيف، وأصوات أصفاد تشق سكون الليل، قبل أن تطبق أقفالها بإحكام على معصم محمد عمران، الشاب الفلسطينى صاحب الـ48 عاماً، عاش الأسير المحرّر الذى ينحدر من مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة، ما يزيد على عقدين من الزمان داخل الزنازين الإسرائيلية، حيث تحمل ذاكرته رصيداً كبيراً من التعذيب والفقد. ورغم إدراج اسمه فى قوائم الأسرى المفرج عنهم، فإنّ لحظة تحريره حفرت آثارها المؤلمة على جسده، لتكون شاهداً على فصل آخر من انتهاكات الاحتلال بحق الفلسطينيين. فى هذا الحوار، يروى «عمران» لـ«الوطن» ما عايشه فى السجن من تجويع وحرمان وتنكيل، وانتظار لحظة الخروج إلى الحرية بعد 23 عاماً.

حوار- رؤى ممدوح
تصوير - محمد ليل

■ بعد أكثر من عقدين خلف القضبان، كيف بدأت حكايتك مع الأسر؟

- تم أسرى بعد انضمامى إلى صفوف المقاومة وتنفيذ عملية عسكرية حملت اسم «وادى النصارى»، أو كما سماها الاحتلال «زقاق الموت»، فى نوفمبر عام 2002. كانت العملية رداً طبيعياً على المجازر التى ارتكبها الاحتلال حينها بحق الشعب الفلسطينى، من قتل للأطفال والنساء والشيوخ، وذلك بعد اندلاع الانتفاضة الثانية. وقتها قرّرنا أن يكون هناك رد عملى على تلك الجرائم، وقبل العملية بأسبوع استُشهد القائد إياد صوالحة، وهو من أبرز قادة المقاومة فى تلك المرحلة، فزادنا ذلك إصراراً على تنفيذ العملية بإتقان. خططنا بدقة وتمكنا من قتل 12 جندياً من قوات الاحتلال، إضافة إلى قائد المنطقة الجنوبية، وهى أكبر رتبة عسكرية يتم استهدافها أثناء وجودها فى موقعها.

وبعد العملية بشهر تقريباً، تمكنت قوات الاحتلال من اعتقالى من الخليل، وتم نقلى إلى غرف وزنازين التحقيق، ثم تنقلت بين عشرات السجون، منها سجن عسقلان الذى مكثت فيه ثلاثة أشهر، ثم إلى سجن نفحة الصحراوى وعدد من السجون الإسرائيلية الأخرى سيئة السمعة، حيث قضيت فى الأسر 23 عاماً، وحُكم علىّ بثلاثة عشر مؤبداً، أى ما يزيد على 1200 عام. ومع كل ذلك كنت أعيش على أمل أن أخرج يوماً فى صفقة تبادل.

■ يوم إعلان أسماء المفرج عنهم فى صفقة «وفاء الأحرار» عام 2011 كيف كانت مشاعرك؟

- كنت أُمنّى نفسى كثيراً بأن يرد اسمى ضمن أسماء المفرج عنهم فى صفقة «وفاء الأحرار»، المعروفة بصفقة الجندى «جلعاد شاليط». وكنت أعيش تلك الأيام بين الحلم والانتظار، وكل أملى أن أسمع اسمى يوم الإعلان. أتذكر جيداً ذلك اليوم فى سجن ريمون، كنت أجلس مع أحد أشقائى، الذى كان أسيراً حينها، وكنا نلعب «الطاولة»، وعندما بدأ السجان بمناداة الأسماء توقفت عن اللعب، أمسكت بالحجر بين يدى، أستمع إلى كل اسم بنبض قلبى، لكن مع انتهاء القائمة لم يُذكر اسمى، ألقيت الحجر مرة أخرى وعُدت للعب، فاندهش شقيقى وقال لى «اسمك ما انذكر!»، فابتسمت وقلت له «قدّر الله وما شاء فعل، أكيد ربنا اختار لى الأحسن». لا أنكر أننى شعرت بغصّة عميقة، لكنها لم تتحول إلى يأس، بل إلى صبر ويقين بأن القادم أفضل. ظللت أُردد فى نفسى «إن شاء الله اللى جاى أحسن»، واستمر هذا الإحساس لأكثر من عشر سنوات.

■ كل تلك السنوات التى قضيتها فى الأسر لا بد أنها تركت أثراً عميقاً.. كيف غيّرك السجن إنسانياً ونفسياً؟

- السنوات فى السجن لا تُقاس بالزمن بل بالوجع. كنت أتنقل بين الزنازين والسجون، ومع كل يوم يمر كنت أزداد يقيناً بأن الحرية قادمة، مهما طال الانتظار، لكن القهر الأكبر لم يكن فقط فى القيود وسلب الحرية، بل فى فقدان الأحبة. أكثر لحظة قاسية عشتها كانت حين أبلغونى بوفاة والدى ووالدتى. لم أستوعب الخبر، حتى الآن لا أصدق أنهما رحلا. لم أعش الحزن كما يجب، لم أبكِ فراقهما، لأنه ببساطة لم تُتَح لى الفرصة لذلك. ما زلت أتخيل أننى عندما أعود إلى بيتنا فى الخليل سأجدهما فى انتظارى كما تركتهما قبل أكثر من عشرين سنة.

■ بعد السابع من أكتوبر تصاعدت حدة الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى.. كيف عِشت تلك المرحلة؟

- صحيح، بعد السابع من أكتوبر تغيّر كل شىء. الاحتلال اعتقل أعداداً هائلة من أبناء غزة حتى امتلأت السجون عن آخرها. ومنذ الأيام الأولى بدأ التنكيل بالأسرى، خاصة أولئك الذين كانوا من قطاع غزة قبل العدوان، فقد تعرّضوا لتعذيب شديد، أما من تم اعتقالهم بعد العدوان فتم عزلهم تماماً فى أقسام خاصة، لا يُسمح لهم بالاختلاط أو الكلام مع باقى الأسرى. كنا نسمع صراخهم طوال الليل من شدة التعذيب. والله كنا نبكى من أصواتهم، ونشعر بالعجز لأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً.

فى أول أيام العدوان استُشهد نحو 18 أسيراً فى الزنازين المجاورة لزنزانتى من شدة الضرب والتعذيب. ما كان يحدث يُشبه الإعدامات الميدانية داخل غرف الاحتجاز. كانوا يدخلون ويطلقون النار من مسافة قريبة جداً، فيستشهد الأسير فوراً. كنا نسمع الأخبار من الأسرى الذين يلتقون أثناء جلسات المحاكمة، هذا بالإضافة إلى عشرات الإصابات والكسور المضاعفة. أصبحنا نصحو كل صباح ونحن لا نعلم إن كنا سنصل إلى المساء، وكنا نقول لأنفسنا «نحن فى عداد الشهداء»، وذلك من الأهوال التى كنا نعيشها.

■ حدّثنا عن تفاصيل حياتكم اليومية داخل السجن خلال العدوان على غزة.

- كانت الحياة داخل السجن قاسية إلى حد لا يُحتمل. لا كهرباء، لا تواصل مع الخارج، حتى ساعة اليد كانت ممنوعة. كنا منقطعين تماماً عن الزمن، نُصلى اعتماداً على تقدير الظل، ونتحرّى الأوقات بأنفسنا. أداء الصلاة كان كفيلاً بأن يُعرّضنا للضرب والسحل والعزل الانفرادى، أما الطعام فكان شحيحاً جداً. أصبحت الوجبة المخصّصة لفرد تُوزع على عشرة أسرى. كنت قبل العدوان أزن 95 كيلوجراماً، أما بعده فقد أصبح وزنى 68 فقط. لم يكن صوماً اختيارياً، بل كان واقعاً مفروضاً. كنت أصوم من خمسة إلى سبعة أيام فى الأسبوع، ليس تعبداً فقط، بل لعدم توافر الطعام. ومع كل ذلك، كان فى داخلنا يقين لا يتزعزع بأن الفرج قريب.

عمران

■ هل فكرت يوماً فى الهروب؟

- كثيراً ما خطرت لى فكرة الهروب كما تخطر لأى أسير. لكن حتى مجرد التحدّث عنها أو ذكرها فى المنام كان كفيلاً بالعقاب. كان السجانون يراقبون كل شىء، فإذا التقطوا أى إشارة إلى نية للهروب، يضعون علامة حمراء على بطاقة الأسير التعريفية، تعنى أنه «يُشكل خطراً للهروب». بعدها يتم عزله ومنعه من الوجود مع أى أسير آخر لأشهر طويلة، إضافة إلى نقله بشكل دورى بين السجون والتنكيل به وحرمانه من جميع متعلقاته.

■ كيف تلقيت خبر الإفراج عنك؟

- لن أنسى تلك الليلة ما حييت. كنت فى سجن نفحة الصحراوى، وجاء ضابط السجن ومعه آخرون، ليعلنوا عن دفعة جديدة من الأسرى سيتم الإفراج عنهم. ارتبكت جداً، شعرت بأن أنفاسى توقفت، بدأت أدعو الله فى صمت، وقلبى يطرق صدرى بشدة، وعندما نادى السجان اسمى، لم أصدق. سجدت على الفور شكراً لله، ودموعى انهمرت دون توقف. تذكرت الآية الكريمة: «قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقاً». شعرت أننى فى عالم آخر، لا أسمع الأصوات ولا أرى شيئاً، فقط إحساس غامر بالحرية بعد 23 عاماً، وبعد أن استوعبت الخبر انهرت من البكاء من شدة الفرح، «ومثلما ودّعت 5 من أصدقائى الذين تم الإفراج عنهم فى شهر يناير الماضى، وقلت لهم أنا وراكم فى الدفعة الجاية، كمان عملت هيك مع شركاء زنزانتى اللى تركتهم ورايا، وهما قالوا لى إحنا صامدين وهنطلع قريب»، ووعدتهم بإيصال سلامهم، وأن أروى قصتهم ومعاناتهم.

■ هل تم الاعتداء عليكم أثناء عملية الإفراج؟

- نعم، قبل خروجنا من سجن النقب تعرّضنا للضرب والإهانة، كانوا يريدون أن تكون لحظة الحرية مشوبة بالألم. ربطونا بحبال طويلة، كل خمسة عشر أسيراً معاً، وأغموا أعيننا وقيّدوا أيدينا وأرجلنا وما زالت آثار التورم والجروح واضحة على معصمى نتيجة تقييدى بالأصفاد فترات طويلة. وأجبرونا على خفض رؤوسنا أثناء سيرنا نحو الحافلات. كان المشهد مؤلماً جداً، لكن رغم ذلك كنا نشعر بأننا نغادر المقبرة التى دفنونا فيها أحياء.

عمرانعمران

■ كيف كانت اللحظات الأولى بعد الإفراج؟

- لم أستطع الكلام، كأن لسانى انعقد من الدهشة. كنت بين مصدق ومكذب. وعندما عبرت الحدود إلى الأراضى المصرية شعرت بالأمان الذى افتقدته طوال فترة اعتقالى، ومصر كانت حلماً يراودنى طوال سنوات الأسر، وكنت أقول دائماً لو خرجت يوماً، أتمنى أن أزور أم الدنيا، وعندما رأيت الجنود المصريين على الحدود، لم أتمالك نفسى. وقفت وأديت التحية العسكرية لأحدهم. كانت لحظة امتنان صافية لمصر ولشعبها الذى فتح لنا ذراعيه. لم أشعر بالحرية الحقيقية إلا بعد أن وطئت قدماى الأراضى المصرية.

■ ما الجرح الأعمق بداخلك بعد هذه التجربة الطويلة؟

- أكثر ما آلمنى هو مشهد غزة عندما تم الإفراج عنا، فأثناء وجودنا فى سجن «عوفر»، جمعونا نحن الأسرى فى ساحة كبيرة وأجلسونا على الأرض، وأمامنا شاشة ضخمة عرضوا عليها صوراً لدمار غزة بعد العدوان. ضابط من الـ«شاباك» قال لنا ببرود «شوفوا شو صار فى غزة علشان تطلعوا من السجن، هذا ثمن حريتكم»، وتعمّد أن يُرينا الصور المؤلمة للجثث والشهداء، كانت لحظات قاسية للغاية، أصابتنا جميعاً بالذهول. ساد الصمت، لا صوت ولا حركة. شعرنا بأننا نفذنا من الموت على حساب من ضحّوا بحياتهم لأجلنا، وكل فلسطين تعلم أن غزة كانت وما زالت منبع التضحية، أهلها فقدوا أرواحهم ليُحيونا نحن الأسرى. كنا أمواتاً فى السجون، وهم أعادوا لنا الحياة. ومهما قلت لن أوفيهم حقهم، ولو أستطيع لقبّلت أقدام نساء وأطفال وشيوخ غزة.

■ ما الرسالة التى تود توجيهها اليوم؟

- رسالتى أولاً إلى الأسرى الذين ما زالوا خلف القضبان، اصبروا فالحرية قادمة لا محالة، ورسالة شكر ووفاء إلى مصر، التى احتضنتنا وفتحت لنا أرضها بكرم ومحبة. سيبقى هذا البلد فى قلوبنا ما حيينا. وأخيراً، إلى شعبى الفلسطينى، أقول تذكروا دائماً أن الحرية ثمنها غالٍ، وأن الله لن يضيع دماءكم وتضحياتكم.