الإخوان والرؤساء.. والودّ المسموم

قصة الإخوان مع الرؤساء فى مصر ليست وقائع متفرقة تُروى فى دفاتر السياسة، بل هى خيط واحد ممتد من أول الحلم إلى آخر الخيانة، رواية طويلة عنوانها «اللقاء والفراق».
فمنذ خرجت الجماعة إلى الدنيا وهى تُتقن لعبة الاقتراب من العرش باسم السماء، تُخاطب الحاكم بلسان الوعظ، وتساومه بفقه المصلحة، تُقبّل يده اليوم لتعضها غداً، وتُبشره بالنصر فى الصباح ثم تُكفره فى المساء.
هى جماعة لا ترى فى الدين سوى جسر إلى السلطان، ولا فى الأخلاق إلا رداء يُخلع ساعة الامتحان. ترفع الحكام إلى مرتبة الأولياء، ثم تهوى بهم إلى قاع الجحيم متى تغيّر الهوى أو تبدلت المغانم.
إنها علاقة لا تُقاس بموازين الولاء والمعارضة، بل بمواقيت الشهوة إلى الحكم: تبدأ بالدعاء له وتنتهى بالدعاء عليه، تبتسم للحاكم وهو على الكرسى، وتلعنه عندما تختلف معه. تلك هى حكايتهم مع السلطة فى مصر، حكاية منسوجة بخيوط التقية والدهاء، يختلط فيها الحلم بالخديعة، والمصحف بالمنشور، والبيعة بالمؤامرة، وكلها فصول من تاريخ واحدٍ عنوانه الدائم: كلما اقتربوا من النور احترقوا به.
منذ الملك فؤاد الأول بدأت اللعبة. كانت الخلافة العثمانية قد انتهت، وكان فى مصر ملك يحلم أن يرث تاج الإسلام. فجاء حسن البنا ليعزف له على الوتر ذاته، يكتب إلى «فؤاد» يقول له: «إلى سدة صاحب الجلالة الملكية، حامى حمى الدين ونصير الإسلام والمسلمين»، يزين له الحلم الزائف بالخلافة. ثم مات «فؤاد» وجاء «فاروق»، فبدل الإخوان ولاءهم كما يبدل التاجر بضاعته، وكتبوا فى مجلتهم «مات الملك عاش الملك»، وجعلوا من الطفل الملك خليفة المسلمين المنتظر.
وقفوا تحت شرفات قصر عابدين يهتفون: «الله مع الملك»، فخرج إليهم «فاروق» ست مرات يلوّح بيده، وظن أن الله فعلاً معه. وحين لم يمنحهم ما أرادوا، انقلبوا عليه وادعوا أنه قاتل مرشدهم، فزوّروا التاريخ كعادتهم ليُلبسوه ثوب الجريمة.
ثم جاءت الثورة، وكانت الجماعة قد تسللت إلى صفوف الضباط الأحرار عبر عبدالمنعم عبدالرؤوف، وأرادت أن تضم جمال عبدالناصر تحت جناحها، وأن تجعل الثورة جناحاً من الجماعة.
لكن «عبدالناصر» أدرك اللعبة مبكراً، ثم انفجر الصدام بعد محاولة اغتياله فى المنشية عام 1954. تلك الرصاصة التى ضلت طريقها فأصابت فى مقتل.
بعدها بسنوات، حين رفعوا دعوى لإلغاء قرار حل الجماعة، كتبوا أنهم هم الذين ساعدوا «عبدالناصر» على تحويل الحكم من ديمقراطى إلى ديكتاتورى، وكأنهم يفاخرون بجرمهم.
ومات «عبدالناصر»، وجاء «السادات». وكان «السادات» يبحث عن ظهير جماهيرى يواجه به بقايا الدولة الناصرية، ففتح للإخوان الأبواب، وأخرجهم من السجون، وأطلق على دولته «دولة العلم والإيمان»، وسمح لهم بأن يعيدوا بناء تنظيمهم فى الجامعات والمساجد والجمعيات.
كانت صفقة صامتة، هم يساعدونه على هدم دولة «عبدالناصر»، وهو يتركهم يعملون تحت الضوء الأخضر. لكن حين زار «السادات» القدس، شعروا أنه خرج من بيت الطاعة، وأنه خان حلمهم فى الدولة الإخوانية المنشودة. فبدأوا يهاجمونه من فوق المنابر، واشتعلت الخصومة حتى جاءت قرارات سبتمبر التى ملأت السجون برجالهم. ثم كان اغتيال «السادات» على يد فصيل خرج من رحمهم، فجعلوا القاتل بطلاً ثم شهيداً وجعلوا الشهيد «السادات» مجرماً.
وجاء عهد «مبارك». بدأ الرجل هادئاً، يطلب الاستقرار بعد الزلزال، فمد يده إلى الإخوان، وأطلق سراح المعتقلين، واستقبل بعضهم فى قصره. وأراد أن يستخدمهم جداراً ضد الجماعات المتأسلمة، وكأن هؤلاء غير هؤلاء فكان كالمستعين من الرمضاء بالنار، فدخلوا البرلمان والنقابات، وتحالفوا مع الوفد تارة، ومع العمل والأحرار تارة أخرى، وابتسموا أمام الكاميرات مع سوزان مبارك فى زياراتها لشركات خيرت الشاطر وحسن مالك.
فى تلك السنوات كان العسل يقطر من العلاقة، لكن «مبارك» لم يكن غافلاً، كان يعرف أن هذه الجماعة لا تُروّض. وعندما تمددت أكثر مما ينبغى، شدّ عليها الحبل قليلاً فى قضايا «سلسبيل» و«النقابات»، فأحسوا بالمهانة وعادوا إلى خطاب المظلومية الذى يتقنونه، بينما ظل هو يستخدمهم ساعة يشاء ويقصيهم ساعة يشاء.
ثم جاءت الثورة، وسقطت الدولة القديمة، فخرج الإخوان من الظل إلى الضوء، ظنوا أن ساعة التمكين قد أزفت، فجلسوا على مقعد الحكم كمن وجد كنزاً ولم يعرف كيف يتصرف فيه.
وعندما اختاروا المشير عبدالفتاح السيسى وزيراً للدفاع قالوا عنه إنه رجل الأمة كلها، فلما وقف مع الشعب ضدهم جعلوه شيطاناً. هم لا يعرفون معنى الوسط، فإما الولاء المطلق أو العداء المطلق.
هكذا تمضى الحكاية منذ فؤاد إلى فاروق إلى ناصر إلى السادات إلى مبارك إلى السيسى، دائرة مغلقة تبدأ بالتقرب وتنتهى بالدموع، وتعيد إنتاج نفسها كل جيل. جماعة تحيا على الأمل فى السلطة وتموت حين تفقدها، لم تكن علاقة الإخوان بالرؤساء يوماً علاقة فكر، بل علاقة مصلحة؛ ولم تكن خصومتهم مع أحد خصومة مبدأ، بل خصومة غنيمة ضاعت من أيديهم. إنهم لا يتعلمون من التاريخ، لأنهم يكتبونه على هواهم، ولا يعترفون بالواقع، لأنهم يؤمنون أن الخلافة حلم مؤجل ينتظر ساعة غفلة.
ومن يقرأ هذا التاريخ يعرف أن لقاءهم مع السلطة قدر تكرر، ولكن فراقهم عنها حتمى، لأنهم فى كل مرة يدخلون من باب الدين ويخرجون من نافذة السياسة، وبين الباب والنافذة يسقط الإخوان.