شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (7): خبير متفجرات: قضيت 20 عاما في الأسر.. وصدرت بحقي أحكام بالسجن 400 عام
شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (7): خبير متفجرات: قضيت 20 عاما في الأسر.. وصدرت بحقي أحكام بالسجن 400 عام
بين البيوت الحجرية القديمة وأشجار الزيتون الممتدة على طول قرية «جلبون» بمحافظة جنين فى الضفة الغربية المحتلة، كانت الأصوات فى الأزقة لا تتجاوز وقع الخطى وضحكات الأطفال، قبل أن تتبدّل ملامح البلدة تحت وطأة الاقتحامات الإسرائيلية المتكرّرة، ليعايش الأسير المحرر «مراد أبوالرب»، 45 عاماً، الخوف منذ طفولته، حاملاً فى ذاكرته مشاهد القتل والدم والدمار، مما دفعه للانضمام إلى صفوف المقاومة مبكراً، مستمداً قوته ونضاله من أسرته التى قدّمت حياتها وحريتها فداءً لفلسطين.
فى حواره لـ«الوطن»، يروى «أبوالرب» تفاصيل محاولته تنفيذ إحدى العمليات الاستشهادية، وقصص نحو 20 عاماً خلف القضبان، وواقعة لقائه بالأسير مروان البرغوثى والأوضاع فى سجون الاحتلال بعد السابع من أكتوبر، وما تضمّنته من تنكيل بأسرى قطاع غزة، وإلى نص الحوار:
■ متى تم اعتقالك؟ ولماذا؟
- اعتُقلت وأنا في الخامسة والعشرين من عمري وكان ذلك في عام 2006، وكنت حينها طالبا فى كلية الفنون الجميلة بجامعة النجاح، وكان ذلك قبل 3 ساعات من آخر امتحان في البكالوريوس. وكنت أقسم وقتي بين المقاومة والدراسة، انتهى من المحاضرات، ثم أتوجه إلى مواجهة الجنود، وتخرجت فى الجامعة وأنا فى السجن، وتمكّنت من الحصول على شهادة الماجستير في الشأن الإسرائيلي وأنا لا أزال أسيرا. وكنت أساهم في تعليم الأسرى الآخرين اللغتين الإنجليزية والفرنسية والاحتلال الإسرائيلي كان يضيق علينا الخناق في الزنازين ويحاول تعطيل تعليمنا ولكن بصمودنا تغلبنا عليهم. ومنذ ذلك الوقت قضيت نحو 20 سنة في الأسر، وصدرت بحقى 4 أحكام بالسجن المؤبد بما يصل مجموعه إلى ما يقرب من 400 عام وهي أحكام انتقامية، والسجن بالنسبة لي لم يكن مجرد مكان لسلب الحرية وإنما تاريخ متكرر من الانتقالات والتنكيل والمعاناة اليومية التي أعادت تشكيل رؤيتي للعالم ولذاتي.
■ ما الذى دفعك للمقاومة فى البداية؟
- القرار لم يأتِ فجأة، والأمر الذى دفعنى إلى الانضمام للمقاومة هو تعرّض منزلنا لاقتحامات متعدّدة من قِبل جنود جيش الاحتلال، حيث كان شقيقى الأكبر عبدالسلام مطارداً، وكنت حينها طفلاً لم أتجاوز العاشرة من عمرى، وشاهدت تدمير منزلى وإتلاف محتوياته وإرهابى أنا وأشقائى بالسلاح وتصويب البنادق فوق رؤوسنا، وبمجرد أن أصبحت مراهقاً أخذت قرار المقاومة حتى النفس الأخير، والتحقت بالمعسكرات الصيفية وأنا فى الخامسة عشرة من عمرى.

■ ما تفاصيل واقعة قتل أربعة جنود؟
- اخترت المقاومة بكل الطرق، وقتلت 4 جنود اعتدوا علينا وكانوا يستهدفون الأطفال والنساء والشيوخ، فكان لا بد من مواجهتهم، وكانت تلك العمليات التى قُمت بها نوعاً من الردّ على المحتل الذى كان يُمعن فى إذلالنا ونهب حياتنا وكرامتنا، والعدو الصهيونى لا يفهم سوى لغة القوة والسلاح، فما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.
■ ماذا تقصد بتنوع العمل المقاوم؟
- العمل المقاوم والفدائى متنوع، فهناك اشتباكات مباشرة مع جنود العدو، وهناك عمليات استشهادية، سواء فى الداخل الفلسطينى المحتل أو فى الضفة الغربية وغيرها من المناطق، ونحن نُحدّد طبيعة هذه العمليات، وفقاً للظروف المتاحة والواقع على الأرض، فالجنود اليهود جبناء للغاية، وأغلب الأوقات يتحصّنون داخل دباباتهم وآلياتهم العسكرية، وهنا نلجأ للعمليات الفدائية والمتفجّرات أو السيارات المفخّخة.
■ ما دورك فى صفوف المقاومة؟ وهل شاركت فى تدريب أو إعداد أشخاص للعمليات الفدائية؟
- أنا كنت أحد شباب المقاومة وكُلفت بصناعة العبوات المتفجرة والأحزمة الناسفة، وأول حزام صنعته كان عمرى حينها 23 عاماً، واستخدمت مادة تُعرف فى فلسطين باسم «إم العبد»، ولا أستطيع الإفصاح عن باقى المواد المستخدَمة لأنها أسرار لا ينبغى إفشاؤها، كما أننى كنت مسئولاً فى فترة ما عن تدريب بعض الشباب وإعدادهم للقيام بالعمليات الاستشهادية، وأتذكر أنى أعددت فى إحدى المرات شاباً من مدينة الخليل للقيام بعملية فدائية، وكان عمره 21 سنة، واستخدم الحزام الناسف وأوقع عدداً كبيراً من القتلى فى صفوف جنود الاحتلال، تقبله الله فى الشهداء. وهناك طقوس يقوم بها المقاوم قبل الإقدام على هذا النوع من العمليات، أولاً هناك شخص مسئول عنه ومرافق له طوال فترة التدريب، ثم يُجهز نفسه للعملية ونُحدّد الآلية والأسلحة المناسبة، ويصلى ركعتين لله عز وجل، ويتم تصويره لإلقاء كلمته الأخيرة، ثم يودّع زملاءه ويَهَب روحه فداء لفلسطين.
■ ذكرت تجربة شخصية عندما كنت ستُنفذ عملية وأنت فى سن الثانية والعشرين، ما التفاصيل؟
- هذا صحيح، حدث ذلك عام 2003، وكنت مطارداً لمدة 4 سنوات، ورغم ذلك تقدّمت لتنفيذ إحدى العمليات الاستشهادية، ولم أبلغ أحداً على الإطلاق، بما فى ذلك والدى ووالدتى، وقبل نحو أسبوع من العملية أقمت وليمة لأصدقائى المقرّبين، وقضينا وقتاً ممتعاً، وقُلت لهم فى نهاية الجلسة: جمعتكم اليوم حتى نتذكر بعض دائماً، ونتلاقى على خير، وفى صباح اليوم التالى قبّلت يدى أبى وأمى، وغادرت المنزل، وتجهّزت بشكل كامل للإجهاز على العدو، ولكن لم يشأ الله أن يتم تنفيذ العملية رغم وصولى للمنطقة المحدّدة، ولكن لم أنجح فى الدخول إلى المكان المستهدَف بسبب التأمين المشدّد حينها، وبالتالى اضطررت إلى الانسحاب قبل أن يتم اكتشافى وتصفيتى، وكان الأمر خطيراً للغاية، وشعرت حينها بمرارة الفشل.
■ هل فى عائلتكم من شارك بالمقاومة؟ وكيف أثر ذلك عليكم؟
- نعم، نحن عائلة مقاومة، سواء الرجال أو النساء، يعنى على سبيل المثال شقيقتى الكبرى عبير أبوالرب، كانت أول فتاة تُنفذ عملية طعن على أحد الحواجز فى قريتنا، عام 1990، وكان عمرها 17 عاماً فقط، حيث استهدفت أحد الجنود، وتم إطلاق الرصاص عليها مباشرة، فتعرّضت لإصابتين خطيرتين فى البطن والظهر، وكنا نظن أنها استُشهدت لأنها كانت ملقاة على الأرض غارقة فى دمائها ونعتها الجوامع فى القرية، قبل أن يتم سحبها إلى داخل إحدى مدرّعات الاحتلال، وانقطعت أخبارها لمدة 7 أشهر، لتصلنا بعد ذلك معلومات تفيد بأنها لا تزال على قيد الحياة ومحتجزة فى أحد المستشفيات الإسرائيلية فى الداخل المحتل.



■ كيف كانت ظروف الانتقال بين السجون والتعامل مع الأسرى؟
- رحلة الانتقال هى عذاب وجحيم لأن الأسير يتعرّض للضرب والسحل والتنكيل والانتهاكات الجسيمة والتعذيب النفسى والجسدى، ومن الممكن أن تتسبب فى استشهاده، وهو ما حدث بالفعل فى كثير من الأوقات، وبعد الحرب على غزة وعلى مدار سنتين، كنا نتعرّض يومياً للضرب المبرح الذى يؤدى إلى إصابات بليغة، فأنا مثلاً أُصبت بكسر فى أنفى منذ عشرة أشهر، بالإضافة إلى كسر أسنانى وإصابات أخرى متفرّقة فى جسدى، وتم منعنا من الزيارات أو احتضان أسرتى، فخلال 20 سنة لم أمسك يد أبى وأمى سوى 3 مرات فقط، وأكثر عدد بشر رأيته خلال مدة أسرى كان 120 فرداً، ولذلك تصيبنى رهبة واستغراب من الوجود فى مكان به أعداد كبيرة من الناس، ومن ضمن الانتهاكات التى كان يتعرّض لها أسرى غزة، هو إجبارهم على النهيق والنباح كالكلاب بصوت مرتفع، وتقليد أصوات الحيوانات فى أثناء تعرّضهم للضرب.
■ ذكرت أن مروان البرغوثى كان مشرفاً على رسالة الماجستير الخاصة بك، هل التقيت به فى السجن؟
- نعم، التقيت به عام 2013 فى سجن «هداريم»، كنا فى غرفتين متجاورتين لفترة امتدت نحو عامين، ومروان مثال للمثقف والمجاهد، كان يدرس بكثافة ويعدّ نفسه ويُشجع الآخرين، وجوده أعطى كثيراً من القوة المعرفية والروحانية لنا نحن الأسرى، وكان يدرس نحو 17 ساعة فى اليوم، وكان مُلهماً ومثابراً، ومنعت الحكومة الإسرائيلية ومصلحة السجون نقله إلى أى سجن آخر.
■ بعد الإفراج عنك، ما خططك؟
- أخطط للزواج قريباً، تعرّفت على شقيقة أحد الأسرى قبل ثلاث سنوات فى أثناء إحدى الزيارات، وأنتظر قدومها إلى مصر لإعلان خطوبتنا، فنحن نحب الحياة ونطمح لاستمرار نسلنا وتكوين أسرة، ولا نريد أن نُكمل المتبقى من أعمارنا بمفردنا، وكنت أتمنى أن أعود إلى قريتى فى الضفة الغربية لزيارة قبر والدى الذى توفى خلال فترة السجن، ولم أتمكن من وداعه، وكنت آمل أن يرانى خارج السجن قبل رحيله.
■ كيف تصف صمود أهل غزة وما مرّوا به؟
- تعجز كل الكلمات عن وصف ما قدّمه أهل غزة من صبر وصمود فى وجه آلة القتل الإسرائيلية، فما تعرضوا له خلال العامين الماضيين لم يحدث فى التاريخ، والمقاومة وعدت بتحريرنا فأوفت، وجميع الأسرى على استعداد للذهاب إلى غزة وتعميرها حجراً على حجر من جديد.
■ صف لنا شعورك لحظة وصولك إلى مصر بعد الإفراج عنك.
- لحظة رؤية العلم المصرى كانت لحظة أمن وسلام، حينها أيقنت أننى حرّ فعلاً، واستقبال مصر لنا يعكس مكانتها التاريخية ودورها الثابت فى دعم القضية الفلسطينية، ونشعر بامتنان كبير لجميع المصريين، وأم الدنيا قدّمت نموذجاً فى كيفية استقبال الأسرى، بما يليق بتضحياتهم، وهذا الموقف ترك فى نفوسنا أثراً عميقاً.