مهمة سياسية بطابع إنساني.. مصر تساعد في انتشال جثامين المحتجزين بغزة لإنقاذ اتفاق شرم شيخ
مهمة سياسية بطابع إنساني.. مصر تساعد في انتشال جثامين المحتجزين بغزة لإنقاذ اتفاق شرم شيخ
يواجه اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، خطر الانهيار مع تصاعد تهديدات جيش الاحتلال الإسرائيلى المتكررة بشن ضربات عنيفة على القطاع وإعادة الحرب، فى الوقت الذى تقدم فيه مصر دعماً لوجيستياً لإزالة الأنقاض وانتشال جثامين جنود الاحتلال.
ورغم تأكيدات حركة حماس التزامها ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، شنَّ الاحتلال الإسرائيلى غارات على عشرات المواقع فى غزة بعد مقتل أحد جنودها، وأفادت السلطات الصحية فى القطاع باستشهاد أكثر من 100 شخص، من بينهم عشرات الأطفال، وأكد مصدر مصرى مسئول أن وقف إطلاق النار فى قطاع غزة لا يزال سارياً، فى إطار الالتزام باتفاق شرم الشيخ وتنفيذ خطة السلام التى طرحها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وفقا لقناة «القاهرة الإخبارية».
مصدر: استمرار جهود الوسطاء الإقليميين والدوليين لتذليل أى عقبات تواجه تنفيذ بنود الخطة
وأشار المصدر إلى استمرار جهود الوسطاء الإقليميين والدوليين لتذليل أى عقبات تواجه تنفيذ بنود الخطة، وتثبيت التهدئة، وضمان تنفيذ التفاهمات بما يحقق الاستقرار فى المنطقة.
وكانت حركة حماس قد سلّمت إسرائيل 15 جثة من أصل 28 فى غزة، ويزعم الاحتلال أن الحركة تعرف مكان نحو 8 جثث أخرى.
ولتنقذ اتفاق شرم الشيخ أدخلت مصر 12 آلية من المعدات الثقيلة عبر معبر كرم أبوسالم جنوب قطاع غزة، ضمن جهود اللجنة المصرية للمشاركة فى أعمال إزالة الركام وفتح الطرقات المدمَّرة فى عدد من مناطق القطاع. كما تواصل الفرق المتخصصة عمليات رفع الأنقاض من المدن المدمرة فى قطاع غزة، للمساعدة فى العثور على جثث المفقودين.
وقال الدكتور محمد الطماوى، خبير الشئون الدولية، إن ملف استخراج الجثامين الإسرائيليين من تحت الأنقاض فى قطاع غزة، يعد من أعقد وأثقل الملفات الإنسانية والسياسية التى تواجه المنطقة منذ بدء الحرب.
وأشار إلى تداخل طبقات الركام بالأنفاق مع الذخائر غير المنفجرة، التى تحول مواقع القصف إلى مناطق خطرة أشبه بحقول موت صامتة تنتظر التفجير، وأوضح: «هذا هو الواقع المنسى المغفل عند الحديث عن ذلك الملف، وهو ما يجعل عمليات البحث والانتشال معقدة ومرهقة إلى أقصى حد، تحتاج إلى معدات هندسية متطورة، وخبراء فى التفكيك، وتقنيات متقدمة فى تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية وأجهزة المسح ثلاثى الأبعاد، وهى إمكانات لا تتوافر بالكامل فى بيئة محاصرة ومنهكة كغزة».
الطماوي: رغم الطابع الإنسانى لهذه المهمة، فإنها تدار تحت ضغط
وأضاف: «رغم الطابع الإنسانى لهذه المهمة، فإنها تدار تحت ضغط فى ظل حسابات سياسية شديدة الحساسية، فالجثامين بالنسبة لإسرائيل تمثل رمزاً تمارس به ضغطاً داخلياً وخارجياً، بينما تدرك الفصائل الفلسطينية أن التعامل مع هذا الملف يمنحها ورقة تفاوضية تجعل كل خطوة نحو انتشال الجثامين خاضعة لتقديرات أمنية ودبلوماسية دقيقة».
وأوضح أن الدور المصرى جاء كأحد أعمدة التوازن الإقليمى، لأن القاهرة دائماً تتحرك بخبرة دبلوماسية تراكمت عبر عقود من الوساطات المعقدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث لم تكتف مصر بالجهد السياسى، بل قدمت دعماً ميدانياً ولوجيستيا واضحا للفصائل الفلسطينية العاملة على الأرض، من خلال توفير معدات هندسية وأطقم متخصصة، والمشاركة فى التنسيق الفنى مع المنظمات الدولية، بما يضمن تنفيذ العملية بأقل قدر من المخاطر.
وتابع: «هذه المساعدة ليست مجرد بادرة إنسانية، بل تعكس رؤية مصر الاستراتيجية فى إدارة أزمات الإقليم عبر الجمع بين الحضور الميدانى والقيادة السياسية الهادئة، بما يعزز مكانتها كوسيط موثوق لا يمكن تجاوزه، وحتى أيضاً تفوت الفرصة على تل أبيب فى تدويل قضية الجثامين لإعادة الحرب من جديد واختراق وقف إطلاق النار».
وأكد أن التيار اليمينى المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية فى مأزق سياسى واضح، لأنها لم تعد تمتلك مبرراً مقنعاً للعودة إلى الحرب أو لتبرير تصعيد جديد أمام المجتمع الدولى، مشيراً إلى أن ملف الجثامين الذى كانت تراهن عليه تل أبيب كورقة ضغط سياسية وإعلامية بدأ يفقد قيمته تدريجياً، بعد انخراط مصر والفصائل الفلسطينية فى جهود جادة لإنهائه ضمن إطار إنسانى منظم لتنفيذ اتفاق شرم الشيخ.
وأشار إلى أن اليمين المتطرف يطمح إلى إعادة إشعال الجبهة لتثبيت حضوره الانتخابى وإرضاء قاعدته الأيديولوجية، لكنه يجد نفسه محاصراً بين التزامات التهدئة وضغوط الداخل الإسرائيلى المتذمر من استمرار حالة اللايقين.
وتابع: «مع انكشاف فشل الخيار العسكرى فى تحقيق أى مكاسب استراتيجية، تزداد حالة التوتر داخل الحكومة، إذ لم يعد أمامها سوى البحث عن ذريعة جديدة لتبرير العودة للحرب، غير أن نجاح مصر فى تحييد الملفات الحساسة وعلى رأسها ملف الجثامين، لسد الطريق أمام هذه الذرائع، وهو ما يفسر اضطراب الخطاب الإسرائيلى ومحاولات اليمين المستميتة لخلق أجواء توتر مصطنعة تبرر التصعيد العسكرى الذى لم يعد يحظى بأى غطاء دولى أو سياسى».
ورأى أن هذا الملف يمكن الاستفادة منه فى التجارب الدولية المشابهة، مثل تجربة الأمم المتحدة فى إنهاء مجازر البوسنة والهرسك فى مطلع تسعينيات القرن الماضى، حين استخدمت تقنيات المسح الأرضى والحمض النووى لتحديد هوية الجثامين تحت أنقاض المدن المدمرة، أو تجربة اليابان بعد زلزال فوكوشيما حين جرى توظيف تعاون دولى لإنقاذ وانتشال الضحايا وسط إشعاعات قاتلة.
وتابع: «هذه التجارب أكدت أن النجاح فى مثل هذه العمليات لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الميدان والسياسة، وهو ما تعمل مصر على تحقيقه فى غزة، عبر الجمع بين الخبرة الفنية والدور الدبلوماسى النشط لضمان إنهاء هذا الملف الشائك بأقصى قدر من الإنسانية والمسئولية».
واختتم حديثه، قائلاً: «بالتأكيد صعوبة هذا الملف لا تكمن فقط فى الأنقاض، بل فى شبكة التوازنات التى تحكمه، فكل خطوة ميدانية تحمل أبعاداً سياسية، وكل نجاح إنسانى ينعكس على معادلات الأمن والاستقرار فى الإقليم، ومن هنا، تمثل الجهود المصرية نموذجاً فريداً فى الجمع بين الحرفية والإنسانية فى أكثر الملفات تعقيداً فى الصراع الفلسطينى الإسرائيلى».
وقال الصحفى الفلسطينى أحمد الدرهلى، إن الاحتلال الإسرائيلى يحاول استغلال صعوبة إيجاد الجثامين من أجل فرض عقوبات على السكان فى غزة، من بينها تقليص إدخال المساعدات الإنسانية واستمرار إغلاق الجانب الفلسطينى من معبر رفح.
وأضاف: «الاحتلال سمح للصليب الأحمر بالعمل مع حركة حماس لتحديد مكان رفات رهائن داخل منطقة خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال فى قطاع غزة، وهذه الخطوة تمثل تراجعاً عن الموقف الإسرائيلى السابق، وجاءت تحت ضغوط من الولايات المتحدة الأمريكية»، وأشار إلى أن إسرائيل كانت ترفض فى السابق السماح بدخول فرق أجنبية إلى القطاع، زاعمة بأن حركة حماس قادرة على إعادة الجثامين بنفسها دون حاجة إلى تدخل خارجى، وأن لديها القدرة على تسليم ما لا يقل عن 10 من أصل 13 جثماناً.