حلمي النمنم يكتب: «هذه هي مصر»
قبل عدة أيام من افتتاح المتحف المصرى الكبير بلغت نسبة الحجز فى فنادق القاهرة الكبرى 100٪، هذا بخلاف أن أكثر من 300 فضائية دولية طلبت نقل حفل الافتتاح مباشرة على الهواء. المسألة ببساطة أن المتحف المصرى الكبير مؤسسة ومنشأة مصرية كبرى، لكن الآثار والحضارة المصرية تشغل الضمائر والعقول الإنسانية حول العالم.. المصريات علم يتم تناوله ودراسته فى كبريات الجامعات العالمية، غرباً وشرقاً، وحين تؤسس مصر هذا المتحف بموقعه الفريد ومساحته الضخمة فإنها تقدم للإنسانية كلها إنجازاً فريداً، يتابعه العالم كله.
قبل أقل من عشرين يوماً كان العالم كله يتابع بشغف مؤتمر شرم الشيخ للسلام، حيث دعا الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس الأمريكى دونالد ترامب عدداً كبيراً من قادة العالم لحضور التوقيع على وثيقة وقف الحرب على غزة والشعب الفلسطينى فى شرم الشيخ، رمز ومدينة السلام، قدم الجهد المصرى فى شرم الشيخ رسالة بضرورة وقف الحروب والتدمير، ثم الاتجاه فوراً لتأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة. اليوم من القاهرة الكبرى تقدم مصر للعالم رسالة أخرى، مفادها أن مصر ليست دولة مستحدثة، لكنها الدولة والشعب الذى أرسى قواعد الحضارة والضمير الإنسانى، يضم المتحف الكبير مائة ألف قطعة أثرية؛ فى مقدمتها مجموعة الملك توت عنخ آمون، تعرض مكتملة لأول مرة. كل قطعة أثرية تعكس إنجازاً علمياً وفنياً رفيع المستوى، فى زمن كانت الإنسانية لا تزال تغوص فى الحالة البدائية، خلف كل قطعة فلسفة وحكمة رفيعة. لم يكن العالم الأمريكى جيمس هنرى بریستد يبالغ حين أكد أن الضمير الإنسانى والأخلاق الرفيعة ولدت على أرض مصر المطالبة بالعدل، عدم الاعتداء على الآخرين ولا المساس بشرفهم، التحذير من الاعتداء على الآخرين، الرفض القاطع للكذب وإيثار الصدق، عدم تلويث مياه النهر، وغير ذلك كثير، يمكن مراجعة الحِكم المصرية القديمة فى كتاب «الخروج إلى النهار» الذى يطلق عليه «كتاب الموتى».
من شرم الشيخ إلى المتحف المصرى الكبير تؤكد الجمهورية الجديدة الالتزام بقيم وتقاليد مصر القديمة، وهى تقاليد وحِكم لم تنقطع يوماً، فقط أعيد تشكيلها وفق مستجدات العصور التالية، هذا ما يجعلنا نتحدث بيقين عن «الروح المصرية» التى تستوعب الجديد دائماً، فى قالب مصرى خالص.
الروح المصرية وجذورها فى المتحف الكبير هى التى جعلت مصر لا تتجاهل أحداث المحيط والجوار الإقليمى سواء فى فلسطين أو لبنان وسوريا، كما فى الجنوب حيث الأشقاء فى السودان. ويجب ألا يندهش البعض حين نقول إن مصر كانت دوماً قبلة العالم فى الزمن القديم؛ جاء أبوالفلسفة الإغريقية «طاليس» إلى مصر ومنها استقى فلسفته فى نشأة الحياة والكون، ثم جاءها «أفلاطون»، باحثاً ودارساً، استقى «فيثاغورس» نظريته الهندسية الشهيرة من بناء ومعمار الهرم الأكبر، بعدها بفترة صارت مكتبة الإسكندرية القديمة هى الأكاديمية الأعظم فى العالم يقصدها القاصى والدانى، بهذا المعنى لا يمكن لمصر أن تنعزل عن العالم ولا بد لها أن تكون عضواً فعالاً ومؤثراً فى عالمها.
إنشاء المتحف الكبير وافتتاحه هو رسالة أن «القوة الناعمة» فى صلب اهتمام الدولة وألا تجاهل ولا إغفال لها، كما يشيع البعض، بل اعتماد كبير عليها واحتفاء شديد بها. وإذا كانت الدولة تعمل لأجل مستقبل أفضل، فإن المستقبل لا ينقطع عن الماضى بكل ما فيه.
نعرف أن هناك من يحاول إدانة التاريخ أو يحاول إنكاره لأسباب أيديولوجية أو خضوعاً لأفكار متشددة، لكن الدولة المصرية تدرك جيداً أن إدانة التاريخ وآثاره، هى محاولة لحرمان مصر من أعز ما لديها؛ التاريخ والإرث الحضارى، هؤلاء يتصورون أنه من الممكن تقزيم مصر.
البلد الذى قدم للإنسانية مبكراً التوحيد الدينى والأخلاق الحميدة والتنوع الاجتماعى والتعدد الثقافى، هذا البلد هو مصر... المتحف المصرى الكبير إنجاز يليق بمصر الشعب والدولة.. هو أيضاً رسالة بسيطة وعميقة تقول «هذه هى مصر».