20 سنة بين جدران الحضارة.. حسين كمال قضى نصف عمره في المتحف المصري الكبير
20 سنة بين جدران الحضارة.. حسين كمال قضى نصف عمره في المتحف المصري الكبير
على بُعد خطوات من الأهرامات الشامخة، وحيث تتعانق حضارة الأمس بإبهار الغد، يقف رجل تترقب عيناه شروق لحظة اختزنها قلبه لأكثر من ثمانية عشر عامًا، لحظة تتويج عمر من الشغف والعمل، لجهد لم يكن مجرد وظيفة، بل عبادة في محراب التاريخ. لم يعد هذا الصرح الضخم مجرد متحف، بل صار جزءًا من تكوين رجل عاش بين جدرانه، وحمل على كتفيه ثقله وفرحته، هو الذي يراقب الآن الساعات الأخيرة قبل أن ينطلق الضوء ويكتشف العالم السر الذي كان أحد أبرز حراسه وصانعيه.
شاهد على روعة المتحف
اليوم، يقف أحد هؤلاء العمالقة بصمت، يطل على المشهد من بهو المتحف المصري الكبير، وقلبه يفيض بما لا تسعه الكلمات. إنه الدكتور حسين كمال، مدير مركز ترميم المتحف المصري الكبير، الرجل الذي قضى نصف عمره الوظيفي في هذا المكان، شاهدًا على كل تفصيلة فيه، من أول حجر وُضع في أساسه حتى اللحظة التي تتهيأ فيها بواباته لاستقبال العالم. ينظر إليه بعين الأب الذي يشهد ميلاد مولوده بعد طول انتظار.
«المتحف هو نص عمري الوظيفي».. بهذه الجملة المقتضبة لخّص الدكتور حسين كمال مشواره مع المتحف الذي احتضن النصف الثاني من حياته المهنية، حيث بدأت قصته في عام 2006، قبل أن يرتفع البناء نفسه، حين كان عضوًا في اللجنة العلمية التي خططت لمركز الترميم. تدرج بعدها ليصبح المدير الفني، ثم المدير العام لشؤون الترميم، رابطًا مصيره بمصير هذا الصرح العظيم.
عاش «حسين» مراحل الحلم من المخططات والرسومات إلى الخرسانة والحديد، وصولًا إلى التعامل مع القطع الأثرية نفسها، فرأى بعين العاشق كيف تحول الحلم النظري إلى حقيقة صلبة، وكيف نبت أكبر مركز ترميم في العالم على مساحة تقارب 32 ألف متر مربع، يضم 19 معملًا وستة مخازن أثرية ضخمة.
ذلك الإنجاز يمنحه شعورًا عميقًا بقيمة ما أنجزه هو وزملاؤه على مدار عقدين من الزمن. ورغم أن كثيرين ربما لا يدركون بعد البريق العالمي الذي يحمله المتحف، فإن الدكتور كمال شاهد على سحره الذي وصل إلى كل بقاع الأرض. يقول: «ما فيش بلد سافرتها إلا وكل المتخصصين والعامة بيسألوا: متى افتتاح المتحف المصري الكبير؟». فالمتحف ليس مجرد عرض للآثار، بل نقلة حضارية وثقافية ضخمة تعيد لمصر ريادتها وتضعها في مكانها الطبيعي كأقدم وأعرق حضارات العالم.
ومع توليه رئاسة مركز الترميم، كان الهدف الأساسي إعادة بناء الريادة العلمية لمصر في علم المصريات، فلم يكن الأمر مقتصرًا على تجهيز مبانٍ، بل إعداد جيل من الكفاءات. فمنذ عام 2010، نُفذت نحو 103 دورات تدريبية بالتعاون مع جهات دولية لتأهيل مرممين متخصصين، أغلبهم من خريجي كليات الآثار، وكثير منهم باحثون في الماجستير والدكتوراه.
هذا المزج بين بنية تحتية عالمية وتدريب علمي متقن أثمر عن ترميم 56 ألف قطعة أثرية، تنوعت ما بين مقتنيات قاعة الملك توت عنخ آمون، ومركب خوفو، والدرج العظيم، والميدان والمسلة المعلقة، وصولًا إلى تمثال رمسيس الثاني.
مبادئ صارمة للترميم
ويصف الدكتور كمال عملية الترميم بأنها «رحلة علمية تخضع لمبادئ صارمة»، تبدأ قبل وصول القطعة الأثرية إلى المتحف، حيث تقوم لجنة متخصصة بتقييمها وتغليفها للحفاظ عليها أثناء النقل، لتصل إلى منطقة التجهيز حيث يتم فحصها وتوثيق حالتها بدقة. بعدها، يتدخل فريق الصيانة الوقائية لتحديد أي إصابات حشرية أو ميكروبية، وفي حال وجودها تُعزل القطعة وتُعالج فورًا.
ويعتمد المرممون على ثلاثة مبادئ أساسية لا حياد عنها قبل ترميم أي قطعة: أولها الضرورة، أي تحديد الحالات التي تستدعي التدخل، وثانيها اختيار الطريقة المثلى للعلاج، وثالثها ألا يغير الترميم مظهر أو طبيعة القطعة، حفاظًا على أصالتها وقيمتها الأثرية والتاريخية والفنية. إنهم «حراس الأثر» لا مغيروه.
ويبرز جوهر هذا العمل الدقيق في قاعة الملك الذهبي، التي ستضم للمرة الأولى جميع مقتنيات مقبرة توت عنخ آمون كاملة، لتُعرض مجتمعة منذ اكتشافها عام 1922 بعد أن كانت موزعة في أماكن عدة. ويقول الدكتور حسين كمال إن الهدف من العرض الجديد هو أن «يشعر الزائر كأنه يكتشف المقبرة من جديد»، بطريقة عرض حديثة وجذابة.
لقد رمموا التاريخ وأعادوا شعور الاكتشاف ليقدموه هدية للعالم. وبينما تتجه الأنظار نحو بهو المتحف في هذه اللحظات الحاسمة قبل الافتتاح، يقف الدكتور حسين كمال شاهدًا على ميلاد حقبة جديدة، محتضنًا تتويج «نصف عمر وظيفي» أهداه بكل شغف إلى قلب حضارة مصر الخالدة.




