أقدم مراكب العالم في قلب المتحف المصري الكبير.. تفاصيل العرض الأول لمركبتي خوفو بعد أطول ترميم
أقدم مراكب العالم في قلب المتحف المصري الكبير.. تفاصيل العرض الأول لمركبتي خوفو بعد أطول ترميم
بالتزامن مع الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير اليوم، سيتمّ الكشف عن متحف مراكب خوفو داخل حرم المتحف، وهو متحف نوعي فريد يضم مراكب الملك خوفو المعروفة تاريخيًا باسم مراكب الشمس، إذ يقدم متحف مراكب خوفو تجربة فريدة لا مثيل لها، ويُعد هذا المتحف أحد أبرز المتاحف النوعية في العالم، إذ يضم قطعتين أثريتين بالغتي الندرة تُعدان من أقدم وأضخم الآثار العضوية التي وصلتنا عبر آلاف السنين، وهما مركب خوفو الأولى والثانية، ولأول مرة في التاريخ، سيتم عرض المركبين الملكيين جنبًا إلى جنب في موقع واحد داخل المتحف الكبير.
رحلة نقل وتأهيل المركبين الملكيين
وتمّ بالفعل نقل مركب خوفو الأولى من منطقة أهرامات الجيزة إلى المتحف، واستُكملت أعمال تأهيلها وتجهيزها للعرض المتحفي وفق أعلى المعايير العلمية، أما مركب خوفو الثانية، فقد تمّ الانتهاء من استخراج ألواحها الخشبية وجميع أجزائها من موقعها الأصلي بجوار الهرم الأكبر، وخضعت لمرحلة أولى من الترميم، وتم نقلها إلى المتحف الكبير، ويجري حاليًا استكمال أعمال ترميمها بالتعاون مع الجانب الياباني، أما مركب خوفو الثاني، الذي وُجِد في الحفرة المجاورة، فبدأت أعمال استخراجه وترميمه منذ سنوات، وهو الآن في مرحلة التجميع داخل المتحف الكبير، بحسب ما ذكرت وزارة السياحة والآثار المصرية عبر موقعها الرسمي.
ويُعتبر مشروع ترميم واستخراج القطع الخشبية لمركب خوفو الثانية واحدًا من مشاريع الترميم التي تُعبر عن أوجه التعاون المثمر بين مصر واليابان، بدعم من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، وقد بدأ التعاون بين الجانب المصري والياباني في مشروع المتحف المصري الكبير منذ عام 2006، حين قدمت «الجايكا» الدعم المالي من خلال قرضين ميسرين للمساعدة الإنمائية الرسمية للمساهمة في بناء المتحف بناءً على طلب من الحكومة المصرية، ومنذ عام 2008، قدمت «الجايكا» تعاونًا ودعمًا فنيًا من خلال المشروع المصري الياباني المشترك لترميم وتوثيق وتغليف ونقل 72 قطعة أثرية، من بينها عدد من القطع الخاصة بالملك توت عنخ آمون، من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف المصري الكبير، وذلك من خلال التعاون المشترك بين الخبراء المصريين واليابانيين، حيث شارك حوالي 90 خبيرًا يابانيًا في هذا المشروع، كما تم توفير عدد من الأجهزة الفنية ذات التقنية العالية ضمن المشروع، مثل الميكروسكوب الرقمي وجهاز محمول للتصوير بالأشعة السينية ورافعة شوكية كهربائية لحمل الآثار الثقيلة بأمان.
وترجع أهمية هذا المركب إلى كونه أقدم مركب خشبي في التاريخ الذي وُجِد بحالة جيدة، إذ يعود عمره إلى 5200 عام، وكان الأثري كمال الملاخ قد عثر عام 1954 على حفرتين في الجهة الجنوبية للهرم الكبير بداخلهما مراكب الملك خوفو، التي أُطلق عليها «مراكب الشمس»، ويُعتقد أنها صُنعت ليستخدمها الملك في رحلته بسماء الدنيا والعالم الآخر أو لنقل جثمانه من ضفة النيل الشرقية إلى الغربية، وفقًا لوزارة السياحة والآثار المصرية.، وعلى مدار سنوات، عكف «الملاخ» رفقة المرمم أحمد يوسف على إعادة تجميع المركب الأول المكون من 6500 جزء، وفي عام 1982 ظهر للمرة الأولى أمام الجمهور داخل متحف بمنطقة الأهرامات بعد مكوثه في أعماق الأرض.
تفاصيل المركب الأول وعملية النقل الذكي
المركب الأول هو مركب خشبي مصنوع من خشب الأرز من لبنان، وزنه ثقيل ويحتوي على غرفة مخصصة للملك خوفو لتكون غرفة لإقامته خلال التنقل به، وقد كشف المرممون أنه تم استخدامه أكثر من مرتين أو 3 مرات قبل دفنه في منطقة الأهرامات كمركب جنائزي، وبسبب وزنه الثقيل، تم الاتفاق على تخصيص عربة نقل ذكية ذات تحكم ذاتي له، جاءت من بلجيكا، وتم تنفيذها لتكون على نفس حجم المركب وتستحمل وزنه الثقيل وحالته النادرة، كما تم وضع هيكل حديدي واقٍ لحماية المركب خلال نقله، خصوصًا أنه نُقل كقطعة واحدة دون تفكيك، ومنذ شهور، جرى تنفيذ اختبار كفاءة للعربة الذكية ذات التحكم من بُعد التي جاءت من بلجيكا إلى مصر خصيصًا لنقل مركب خوفو الأول - أقدم مركب في العالم يحتفظ بحالته الجيدة - للتأكد من قدرتها على تحمل الأوزان الثقيلة والسير على المحاور المختلفة للطرق والتعامل مع المنحنيات ومتانة الهيكل المعدني الواقي المثبت بها.

تجميع مركب خوفو الثاني أمام الجمهور
يُذكر أن التعاون بين مصر واليابان في مشروع مركب خوفو الثاني انطلق عام 1992 بهدف استخراج أخشاب المركب بدون تعرضها للتلف والعمل على تقويتها وترميمها وتجميعها حتى تصبح جاهزة للعرض، بالإضافة إلى التوثيق اللازم لجميع الأجزاء والطبقات التي عُثر عليها بالحفرة، ويذكر المشرف على ترميم مركب خوفو الثاني أنه تم اكتشاف 1700 قطعة خشبية داخل الحفرة، وتمت عمليات تقوية وتدعيم للأجزاء المتدهورة واستخدام ورق «التشيو» الياباني في تغليفها جيدًا بأفضل معدلات الأمان، ثم ترميم 1560 قطعة واستخدام التصوير ثلاثي الأبعاد لجمع المركب على الأجهزة الحديثة قبل الواقع.
ووفقًا لما ذكرته «القاهرة الإخبارية»، فقد أعلنت إدارة المتحف الكبير أن عملية تجميع وترميم المركب الثاني ستتم أمام الزوار لحظة الافتتاح، لتكون أول تجربة ترميم حية يشهدها العالم داخل متحف، في مشهد يعيد الحياة إلى أثر ظل مدفونًا لآلاف السنين، وتقدر مدة العمل على تجميعها بنحو 3 سنوات، نظرًا لدقة القطع وسوء حالة الأخشاب الناتجة عن طول مكثها في باطن الأرض، لكن النتيجة النهائية ستكون مبهرة، إذ ستقف المركبتان معًا بجوار بعضهما البعض، كما أراده المصري القديم منذ خمسة آلاف عام، وقد تم تصميم سيناريو عرض فريد للمركبين داخل مبنى ضخم مخصص لهما في المتحف المصري الكبير، يتيح للزوار رؤية المركب الأول مكتملًا في كامل هيئته، بينما يشاهدون عملية تجميع المركب الثاني أمام أعينهم، في تجربة تفاعلية تجمع بين العلم والتاريخ والبصر والدهشة، لتجعل من زيارة المتحف رحلة داخل الوعي المصري القديم نفسه.