أشرف غريب يكتب: المتحف المصرى الكبير.. شعب جبار وإنجاز رائع
يسألونك عن المعجزات، قل أن للمصريين فيها تاريخاً طويلاً شاهداً على عظمة هذا الشعب، وقدرته الفائقة على تحويل الأحلام إلى حقائق، والمستحيلات إلى واقع ملموس، هل أحدثكم عن الهرم الأكبر بارتفاعه الشاهق الذى يصل إلى 146.6 متر بما يضمه من 2.3 مليون حجر يصل وزن الواحد منها إلى خمسة عشر طناً تم نقلها من محاجر أسوان أو منطقة طرة؟
هل أحدثكم عن قناة السويس حين شق المصريون فى القرن التاسع عشر من العدم شرياناً مائياً فى قلب الصحراء يربط بين البحرين المتوسط والأحمر فى أقل من عشر سنوات، ثم جاء أحفادهم وفى عام واحد فقط فى الألفية الحالية ليشقوا شرياناً آخر هو قناة السويس الجديدة؟
هل أستعيد معكم معجزة السد العالى حين تحدت إرادة المصريين كل العراقيل التى وضعها الطامعون فى طريق بناء السد الذى حفظ مصر من أخطار الفيضان، وزاد من رقعتها الزراعية، ووفّر لها طاقة كهربائية دائمة كنا فى أمس الحاجة إليها؟
ولماذا نذهب بعيداً وفى واقعنا اليوم معجزة جديدة ستبقى شاهدة على قدرة هذا الشعب على الإنجاز وتحدى الصعاب؟ لقد كان المتحف المصرى الكبير مجرد حلم قبل ثلاثة وثلاثين عاماً حين صدر القرار الجمهورى رقم 402 لسنة 1992 فى عهد الرئيس مبارك والوزير فاروق حسنى بتخصيص تلك الأرض المترامية التى تبلغ خمسمائة ألف متر مربع لتكون نواة تدشين أكبر متاحف الدنيا وأكثرها أهمية وجمالاً كى تضم تحت سقفها وسمائها ما يزيد على مائة ألف قطعة أثرية تتحدث عن تاريخ تلك الحضارة العتيدة التى تمتد بجذورها إلى عصور ما قبل الأسرات وصولاً إلى العصر البطلمى مع بداية التاريخ الميلادى، كم من السنين والأيام والساعات عاشها هذا الحلم العظيم فى نفوسنا؟
وكم من العقبات والصعاب واجهها بناة الهرم الرابع كى يتحول الحلم إلى حقيقة؟ وكم من السواعد المصرية والخبرات العالمية احتشدت خلف هذا الحلم؟ وكم من وزراء للثقافة والآثار والسياحة ذهبوا وجاءوا والمشروع باقٍ وحىّ فى العقول والصدور؟
نحن شعب نعرف جيداً قيمة ما لدينا من كنوز، ونستطيع الحفاظ عليها، ما زلت أذكر هذا المشهد المهيب حين كانت الاستغاثات تتوالى من قلب ميدان التحرير أثناء فوضى الخامس والعشرين من يناير كى يتم إنقاذ المتحف المصرى القائم بالميدان (الأنتيكخانة) من محاولات السلب والنهب، وبالفعل لم يستطع الغوغاء الوصول إلى مرادها على عكس ما حدث فى بغداد ساعة سقوط نظام صدام حسين ودخول الأمريكان بلاد الرافدين، حيث تعرضت إحدى أقدم حضارات العالم إلى عمليات سلب ونهب لن يتم تعويض خسائرها الإنسانية إلى الأبد.
وحين وقعت أحداث المتحف المصرى بميدان التحرير فى يناير 2011 لم يكن قد مرّ على وضع حجر الأساس للمتحف الكبير الكائن عند الأهرامات سوى تسع سنوات، يومها تمنى كل مصرى أن تتسارع الخطى كى يتم إنجاز متحفنا الجديد حيث تتوافر كل وسائل التأمين والعرض المتحفى على أحدث ما توصل إليه العلم، لكن الشهور العجاف التى عاشتها مصر بين 2011 و2014 كانت كفيلة بتوقف المشروع عند مجرد حلم عابر فى النفوس مع كل العقبات والأفكار البالية التى صدّرها لنا أولئك الذين أرادوا لمصر العودة للوراء، فإذا بالاستقرار السياسى والأمنى الذى وفّره الرئيس السيسى لمصر منذ سنة 2014 يدفع بحلم المتحف الكبير من جديد إلى واجهة اهتمام الدولة المصرية لا سيما بعد أن أصدر رئيس الجمهورية القرارين 180 لسنة 2021 و600 لسنة 2024 بإعادة تشكيل مجلس أمناء المتحف المصرى الكبير برئاسته شخصياً، ما أعطى للمشروع دفعة قوية نحو إنجازه فى أسرع وقت.
والذى قد لا يعلمه الكثيرون أن رحلة المتحف المصرى الكبير قد مرت بالعديد من المحطات قبل أن يتحقق الحلم، بدأت عام 1835 فى عهد الوالى محمد على مؤسس مصر الحديثة حين قرر إنشاء متحف يضم مجموعة كبيرة من الآثار المصرية، واختار مقراً له بحديقة الأزبكية، ثم تم نقله إلى القاعة الثانية بقلعة صلاح الدين، حتى فكر عالم الآثار الفرنسى «أوجست مارييت» أحد مسئولى اللوفر آنذاك فى إنشاء متحف على نيل القاهرة بمنطقة بولاق، لكن مواسم الفيضان قبل بناء السد العالى كانت تمثل خطراً داهماً لكنوز مصر.
ومن هنا تم نقله مؤقتاً إلى قاعة بقصر الخديوى إسماعيل بالجيزة قبل التفكير فى إنشاء المتحف المصرى الحالى بميدان التحرير (الأنتيكخانة) الذى تم وضع حجر أساسه سنة 1897، وتم افتتاحه فى العام 1902 تحت إشراف عالم فرنسى آخر هو «جاستون ماسبيرو» فى عهد الخديوى عباس حلمى الثانى، ومع تزايد عدد زائريه، ومع تعاظم عدد القطع الأثرية المعروضة فكّر وزير الثقافة المصرى الأسبق فاروق حسنى سنة 1992 فى إنشاء المتحف الكبير.
وها هو العالم أجمع شرقه وغربه يأتى إلينا اليوم فى مشهد مهيب كى يحتفل معنا بإتمام المشروع وتحويل الحلم إلى واقع، فقد أصبح لمصر أكبر متحف بالكون يتحدث باسم حضارة عريقة يتجاوز عمرها سبعة آلاف سنة كى يظل إلى الأبد شاهداً على عظمة هذا الشعب وقيمة منجزه الحضارى الرائع الذى يباهى به بين الأمم، وينضم إلى خريطة مقاصد مصر السياحية الكثيرة ما سوف ينعكس اقتصادياً على مساهمات قطاع السياحة فى دعم الدخل القومى المصرى