رمسيس.. عِشقْ المصريين

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

في مدخل المتحف الكبير يقف الفرعون الأعظم رمسيس الثاني شامخا . أول ما تقع عليه عيون زوار المتحف . يستقبل أحفاده وبشر من جميع أنحاء العالم . يقف مجسدا عظمة وكبرياء مصر القديمة . يقف بعدما كتب التاريخ مجلدات عن انتصاراته وعن المعابد التي بناها في أنحاء مصر . يقف سعيدا بمحبة المصريون المحدثين وإعجابهم به , بل عشقهم له .

عاش رمسيس في الفترة من (حوالي 1303 ق.م — يوليو أو أغسطس 1213 ق.م) أي ما يقرب من 90 عاما , وحكم مصر لمدة 66 عاما تقريبا، من 1279 إلى 1213 قبل الميلاد ، كان ثالث فراعنة الأسرة التاسعة عشر , وهو ابن سيتي الأول . ينظر إليه على أنه الفرعون الأكثر شهرة والأقوى طوال عهد الإمبراطورية المصرية. سماه خلفاؤه والحكام اللاحقين له بالجد الأعظم. قاد رمسيس الثاني عدة حملات عسكرية إلى بلاد الشام وأعاد السيطرة المصرية على كنعان. كما قاد كذلك حملات جنوبا إلى النوبة حيث ذهب معه اثنين من أبنائه كما لوحظ منقوشا على جدران معبد بيت الوالي . وقد شهد عهده ازدهارا واستقرارا كبيرين، وترك إرثا ضخما من المعمار مثل معابد أبو سمبل، وأتم بناء معبد الكرنك الذي بدأ في بنائه جده رمسيس الأول وكذلك أتم معبد أبيدوس في سوهاج الذي بدأ بناؤه والده سيتي الأول . بالإضافة إلى أن عهده شهد توقيع أول معاهدة سلام في التاريخ مع الحيثيين .

كان رمسيس يصاحب والده وهو في سن الرابعة عشر من عمره في حملاته العسكرية , وفي سن 22 عاما كان يقود الحملات بنفسه . قاد حملات عسكرية على بلاد النوبة وبلاد الشام وليبيا . تزوج الكثير من النساء , ومنهم نفرتاري وهي إحدى أميرات الأسرة المالكة , وعلى عادة المصريين القدماء , تزوج ثلاثا من بناته .

دفن الملك رمسيس الثاني في وادي الملوك، في المقبرة ، إلا أن مومياءه نُقلت إلى خبيئة المومياوات في الدير البحري، حيث اكتشفها عام 1881م جاستون ماسبيرو , ونقلت إلى المتحف المصري بالقاهرة بعد خمس سنوات ، كان رمسيس يبلغ ارتفاع قامته 170 سم، والفحوص الطبية على موميائه تظهر آثار شعر أحمر أو مخضب، ويعتقد أنه عانى من روماتيزم حاد في المفاصل في سنين عمره الأخيرة، وكذلك عانى من أمراض في اللثة.

في عام 1976 أصاب المصريون القلق على صحة مومياء الملك الأعظم رمسيس الثاني , فتقرر سفره إلى فرنسا وصدر له جواز سفر برقم ( 1 ) بصفته ملك مصر , حتى يمكن إجراء فحوصات خاصة به هناك وعلاجه إن تطلب الأمر . استقبل رمسيس في فرنسا استقبالا رسميا كملك , وأطلقت المدافع تحية له ورافقه موكب رسمي . وبعد الكشف عليه تبين وجود بعض العفن في المومياء وجرى علاجه بالأشعة وعادت المومياء إلى مصر بعد انتهاء العلاج .

في ميت رهينة , حيث كانت ممفيس يوماً عاصمة الدنيا , نام تمثاله آلاف السنين تحت طبقات الطمي والماء. لم يكن مجرد حجر نائم، بل ملكا أسيرا بين الرمال ينتظر أن تمتد إليه يد مصرية توقظه من سباته الطويل. في عام 1820، وبينما كانت رياح الصحراء تعزف لحنها الأبدي، وصل الرحالة الإيطالي كافيجليا إلى ميت رهينة، يبحث عن آثار الملوك القدامى. هناك، لمحت عيناه ملامح وجه هائل يطل من الأرض كأنه يستيقظ من حلمٍ فرعوني قديم. كانت ملامحه مهيبة، جبهته عالية، وابتسامته المرسومة على الحجر تحاكي ثقة الفرعون بالعظمة والخلود.

لكن التمثال كان ملقى على الأرض محطما إلى أجزاء، غارقا في المياه الجوفية ، تتآكله الأملاح وتنهشه الرطوبة. حاول الرحالة رفعه فلم يقدر، فتركه على حاله، وكتب في يومياته : “إنه أروع ما رأت عيناي من آثار الملوك… ولكن لا أحد يستطيع أن يوقظه الآن.” مضت الأعوام، وبقي رمسيس هناك، ينظر إلى السماء من بين الطين، وكأنه ينتظر أن تتذكره مصر. مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأ علماء الآثار المصريون والأجانب يزيلون الطمي عن جسده الضخم، وينظفون الحجر الأبيض الذي نحتته أياد من زمن الإعجاز. شيئا فشئ ، بدأت ملامحه تلمع تحت أشعة الشمس. وجاءت مصلحة الآثار المصرية في أوائل القرن العشرين لتعيد إليه بعض ما فقده , رمموا الذراع المكسورة، وثبتوا الجسد، وأقاموا له سقفا خشبيا يحميه من المطر والشمس. لكن التمثال ظل في مكانه، ينام وسط مائه القديم، بينما تتوافد إليه البعثات والطلاب والسياح، يندهشون من هيبته حتى وهو راقد.

في عام 1955، قررت مصر أن تعيد إلى ملكها مكانته. أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراره التاريخي بنقل تمثال رمسيس الثاني إلى قلب القاهرة، ليقف شامخا في ميدان يحمل اسمه، أمام محطة القطار التي تعج بالحياة وتحمل اسم " باب الحديد " . كانت العملية أشبه بمعجزة هندسية في زمن لم يعرف الرافعات العملاقة بعد. المهندسون المصريون، والجيش، والعمال، عملوا كأنهم يعيدون بناء الأهرام نفسها. وارتفعت الجموع تصفق يوم تحرك التمثال على عربة ضخمة تسير على قضبان حديدية، تجرها شاحنات عبر القرى والطرق، في موكب مهيب تابعه الناس بالدموع والفخر. وفي الميدان الفسيح , انتصب الفرعون واقفا بشموخ مرة أخرى، أصبح رمزا للعاصمة، وملتقى للناس، وصورة محفورة في ذاكرة كل مصري. صار معلما يراه كل المصريين , وبمرور الوقت عشقه المصريون وصار أيقونة يقدرون دوره وتاريخه وعظمته .

مع مرور السنين، أرهقته أصوات السيارات، ودخان المدينة، واهتزازات القطارات. فقررت مصر مرة أخرى أن تحميه , لا كحجر أثري فقط، بل كقلب نابض من حضارتها. في عام 2006، جرت ثاني أعظم عملية نقل في تاريخه ، تم تنظيف التمثال من الأتربة التي التصقت به لعقود، وأُجريت عليه تحاليل بالأشعة والموجات فوق الصوتية لكشف الشقوق الدقيقة في الحجر، ثم جرى ترميمه بمواد حجرية متوافقة مع أصله , وبقى ينتظر في مكان مخصص قرب المتحف الكبير حتى عام 2018 . وفي موكب مهيب، تحرك مرة أخرى موقعه الجديد في المتحف المصري الكبير عند أهرامات الجيزة، وسط تصفيق الجماهير ودموع الفخر الوطني.

اليوم، يقف رمسيس الثاني في بهو المتحف المصري الكبير، أول من يستقبل الزائرين بابتسامته الخالدة. عاد إلى حيث ينتمي , إلى قلب التاريخ، بين ملوك مصر العظماء الذين صنعوا المجد وأرقى الحضارات .

أحب المصريون رمسيس الثاني أكثر من أي فرعون آخر، لا لأنه بنى أعظم المعابد أو انتصر في معارك لا تنسى، بل لأنه يشبههم. قويا مثل الجرانيت , عطاء كالنيل، صبورا كالأرض، ومحبا للحياة كالشمس التي لا تغيب. عندما ينظر المصري إلى وجه تمثال رمسيس، يشعر أن الملك ما زال حيا , في كبريائه، وصبره، وإيمانه بأن العظمة لا تموت، بل تنتقل من جيل إلى جيل.