كيف أبهرت مصر الصحافة الغربية؟
ليس مبالغة أن نقول إن هناك تحولاً ملحوظاً فى نبرة صوت الصحافة الغربية للشئون المصرية فى الفترة الحالية، ولو أن هذا التحول قد يكون مقروناً بإطار زمنى مرتبط بتوالى أحداث وإنجازات عملاقة متلاحقة لا يمكن تجاهلها أو التقليل منها، وقد عالجت الصحافة الغربية حفل افتتاح المتحف المصرى الكبير بأطر مختلفة، لكن الخطاب الإعلامى هذه المرة تغير واتجه نحو إيجابية الصورة بشكل عام وعدم الالتفات إلى الصغائر، حيث يُعدّ افتتاح المتحف المصرى الكبير واحداً من أبرز الأحداث الثقافية العالمية فى العقدين الأخيرين.
وقد مثّل هذا المشروع الذى استمر بناؤه أكثر من عشرين عاماً بتكلفة تجاوزت المليار دولار نقطة تحول فى المشهدين الثقافى والسياسى المصرى، إلا أن أهمية الحدث لم تقتصر على الداخل، فقد شكّل مادة غنية للخطاب الإعلامى الغربى الذى تناول المتحف من زوايا متعدّدة، تجمع بين الإعجاب والتحليل الاقتصادى.
وأحياناً الحذر النقدى، حيث اعتمدت المنصات الغربية عدداً من الأطر جمعت فيها المعالجات بين لغة الاحتفالية والضخامة باستخدام كلمات مثل «ضخم/ مليار دولار/ قطعة أثرية/ معلم» وتعمل هذه الكلمات على تأكيد الأهمية العالمية للمتحف كحدث تاريخى -ثقافى- وبين لغة الاستعادة الوطنية وعرض المشروع كجزء من «استعادة مكانة مصر» بعد سنوات من الأزمات، وهو خطاب يخدم رواية الدولة عن التجدّد كما لم تخلُ المعالجات من الانتقادات البسيطة باستخدام مصطلحات مثل «تأخير طويل» و«تكلفة باهظة»، وكذلك أهملت الصحافة الغربية الروح الوطنية المتميزة للشعب المصرى واحتفالاته بإعادة تقديم هويته.
كما أن هذه المعالجات الإيجابية لا تعنى بالضرورة تغيير الخطاب الغربى الفوقى لدول الشرق الأوسط، ولكنها على الأرجح بداية لتغيير الصورة الذهنية النمطية السلبية، والذى يحتاج إلى مزيد من الإيجابيات لتثبيته.
أول هذه الأطر الإعلامية وأكثرها فاعلية هو «استعادة الآثار المصرية المسروقة من أوروبا» وهو خطاب مفاجئ إلى حد ما بالنسبة لقدومه من دول أوروبية، لكن هناك الكثير من المحطات التليفزيونية ناقشت هذا الموضوع، وهو هدف تعمل عليه الدولة المصرية منذ فترة، على سبيل المثال ناقشت محطة «فرانس 24» مدى أهمية عودة آثار مصر إلى متاحفها، وذكرت أن هناك 3 آثار مهمة للغاية لا ينبغى أن تظل خارج مصر، وهى حجر رشيد الموجود فى المتحف البريطانى، وتمثال نفرتيتى فى ألمانيا، وخريطة زودياك الموجودة فى متحف اللوفر، هذه الخطابات الإعلامية الداعمة للحق المصرى هى لهجة جديدة فى الصحافة الغربية عن دولة شرق أوسطية لطالما حُبست فى أطر سلبية.
الإطار الثانى الذى اجتمعت عليه معظم المنصات الإعلامية الغربية هو «الامتداد التاريخى»، فقد قالت «سى إن إن» إن هذا الافتتاح لحظة لا تُنسى فى تاريخ الحضارة، وقالت «نيويورك تايمز» إنه افتتاح يليق بعظمة تاريخ الفراعنة، ووصفت الـ«بى بى سى» المتحف بأنه يُعيد تعريف المتاحف قى القرن الحادى والعشرين، وذكرت «ناشيونال جرافيك» أنه أعظم مشروع أثرى فى التاريخ، كما قالت «دوتش ڤيلا» الألمانية إن مصر تجمع بين الماضى والمستقبل فى تحفة فنية تبهر العالم.
الإطار الثالث هو «الاحتفاء وعودة الهوية المصرية» غلب على معظم التغطيات الغربية طابع الاحتفاء والدهشة، فقد وصفت صحيفة «الجارديان» المتحف بأنه «أضخم متحف أثرى فى العالم» و«رمز استعادة مصر لمكانتها الحضارية»، وركّزت وكالة «أسوشيتد بريس» على حجم المقتنيات التى تجاوزت مائة ألف قطعة أثرية، وعلى استخدام التكنولوجيا الحديثة فى عرض كنوز توت عنخ آمون، ويظهر فى هذا الخطاب ميل واضح لإعادة تقديم مصر كـ«قوة حضارية» ذات تاريخ طويل يمتد آلاف السنين، قادرة على تحويل ماضيها الثقافى إلى طاقة ناعمة للحاضر يضعها فى مصاف الدول.
الإطار الرابع هو «الاقتصادى والسياحى»، وجانب كبير من الخطاب الغربى ركّز على البُعد الاقتصادى للمتحف، فقد تناولت صحيفة «لوموند» الفرنسية المشروع ضمن استراتيجية الدولة المصرية لإحياء قطاع السياحة، خاصة بعد التراجع الذى أعقب ثورة 2011 وجائحة كوفيد، كما أشارت إلى أن افتتاح المتحف يُعدّ رسالة استقرار سياسى واقتصادى موجّهة إلى المستثمرين والقطاع السياحى الدولى، وقالت «رويترز» إن المتحف يضع مصر فى قلب خريطة السياحة العالمية.
من هذا المنطلق، ارتبط المتحف بخطاب التنمية والتحديث وإلقاء الضوء عليه كأداة فى خدمة الاقتصاد الوطنى تُعيد الثقة بالوجه السياحى لمصر.
وبذلك يمكن القول إن الخطاب الإعلامى الغربى حول المتحف المصرى الكبير حقّق ثلاث وظائف رئيسية، وهى أولاً: «الترويج الثقافى «بتقديم مصر كمركز عالمى للتراث الإنسانى، ثانياً: «التطور الاقتصادى والسياسى» بدعم السردية الرسمية حول الاستقرار والتنمية، ثالثاً: «إعادة إنتاج الصورة الاستشراقية الإيجابية» بتصوير مصر كأرض العجائب القديمة التى تستعيد مجدها الحديث، فى سردية تجمع بين الإعجاب والامتداد الثقافى.
ومما لا شك فيه أن المتحف المصرى الكبير أصبح وسيلة ناعمة لبناء القوة الرمزية لمصر والخطاب الغربى من خلال إشادته بالمتحف، واعتباره «أيقونة حضارية» يساهم ضمنياً فى ترسيخ صورة مصر كقوة ثقافية مستقرة وسط منطقة مضطربة، هذا الخطاب يخدم أيضاً استراتيجية الدولة فى تعزيز «الهوية المصرية الحديثة» القائمة على الجمع بين الأصالة والتحديث، فبينما يُبرز المتحف إرث الحضارة الفرعونية، فإنه فى الوقت نفسه يقدّم مصر كدولة معاصرة تستخدم أحدث تقنيات العرض والمتاحف.
كما نجحت الدبلوماسية المصرية بهذا المشروع الضخم فى إعادة رسم صورة مصر بين دول العالم من خلال صنع علامتها الخاصة بها وتسويقها دولياً باستخدام هويتها المتميزة، مما يضع مصر كقوة حضارية وثقافية فى النظام الدولى، ويضيف ثقلاً للدولة المصرية فى خريطة التوازنات السياسية المستقبلية.