كيف يتحول المتحف الكبير إلى مساحة وعي؟
مشهدٌ متكرّر فى المتاحف، سواء فى مصر أو خارجها، هو أن ترى رحلات مدرسية لطلبة تتراوح أعمارهم بين السابعة والخامسة عشرة، يتجوّلون بين القطع الأثرية واللوحات الفنية، وقد لا يفهمون ما يُعرض أمامهم.
أتذكر أننى، شخصياً، فى كثير من هذه الرحلات لم أكن أشعر بقيمة ما أراه، وكانت تلك الرحلات بالنسبة لى فرصة فقط للهروب من روتين المدرسة اليومى. لم أستمتع بجولات المتاحف إلا بعد مرحلة عمرية معيّنة.
ولذلك لن أنسى عندما زرتُ قبل أكثر من عشر سنوات المتحفَ البريطانى، وتحديداً قسم الحضارة المصرية القديمة، الذى يضمّ كنوزاً مصرية، على رأسها حجر رشيد، لن أنسى هؤلاء الأطفال الذين يرتدون الزىَّ المدرسى، ويتجوّلون بكتب وكراسات رُسمت عليها خراطيش مكتوبة بالهيروغليفية.
مجموعة من الأطفال كانوا يُترجمون هذه النقوش -التى لم أفهمها طبعاً- إلى الإنجليزية والعكس، ومجموعة أخرى كانوا يطابقون ما يرونه أمامهم فى المتحف على ما هو موجود فى الكتاب أو على الجهاز اللوحى (التابلت)، خرجتُ منبهرة بهؤلاء الأطفال، وشعرتُ بالغيرة من أنهم يدرسون فى مناهجهم الدراسية حضارتنا القديمة... أو هذا ما ظننتُه آنذاك.
فى كتابها المهم «مستقبل علم المصريات»، تشرح الدكتورة مونيكا حنّا الأستاذ المساعد فى الآثار المصرية والباحثة فى الحضارة القديمة -بأسلوب علمى موجز ومبسط- كيف تطوّر علم المصريات عبر العصور خارج مصر، حتى أصبحت له مدارس مختلفة تعمل على فك رموز هذه الحضارة التى لم تكشف بعد عن كل أسرارها، مع تهميش متعمّد من المستعمر للمصريين عن تاريخ بلادهم.
فنجد المدرسة الفرنسية والبريطانية والإيطالية ومدرسة برلين ومدرسة فرانكفورت، كلّها تشرح لنا الماضى لتقودنا إلى النقطة الأهم: المستقبل، ما هو مستقبل هذا العلم؟ وكيف يمكن أن يبدأ التقدّم الحقيقى لحمايته من داخل قاعات الدراسة، عبر بناء وعى علمى ومهارات مناسبة للطلاب؟
إن إنهاء الاستعمار من علم المصريات ليس شعاراً، بل ضرورة معرفية وأخلاقية. فإذا كنا لا نستطيع تغيير الماضى، فإننا نستطيع تصحيحه.
أعود إلى طلبة المتحف البريطانى الذين أثاروا غيرتى قبل عشر سنوات.. هل كانوا حقاً يدرسون الهيروغليفية ضمن مناهجهم الدراسية كما ظننت؟
الإجابة: لا.
فالمتحف البريطانى يضمّ قسماً تعليمياً كاملاً يُقدّم برامج مخصّصة للمدارس والطلاب من مختلف الأعمار. وبما أن المتحف يحتوى على أكثر من مائة ألف قطعة أثرية مصرية، فقد أصبح موضوع «مصر القديمة» من أكثر البرامج طلباً ضمن الأنشطة التعليمية الموجّهة للطلبة من سن ٧ إلى ١١ عاماً.
ووفقاً لموقع المتحف، تُساعد هذه البرامج الطلاب على فهم الحياة فى مصر القديمة من خلال الأدلة الأثرية، وتعزيز الفضول والتفكير النقدى، وربط الماضى بالحاضر، ويُضاف إلى ذلك الأنشطة التفاعلية، مثل ورش التلوين المستوحاة من النقوش، واستخدام نسخ آمنة من القطع الأثرية للفحص، وحوارات مفتوحة فى نهاية الجولة لتبادل الانطباعات والأسئلة.
حضارة عظيمة لا تحتاج إلى جمل إنشائية ولا إلى «علوم زائفة» لتثبت عظمتها. كل ما نحتاج إليه هو أن نتحمّل مسئوليتنا فى غرسها بعمق ووعى فى أجيالنا الأصغر، حتى تكون أكثر قوة فى مواجهة الأصوات البغيضة التى تحاول طمس حضارة جاءت ثم جاء بعدها التاريخ ذاته.
ها هو المتحف المصرى الكبير قد افتُتح رسمياً، وأصبح من الثابت أن لدينا متحفاً مبهراً، ولا أبالغ إن قلت إنه يفوق أشهر متاحف العالم جمالاً وإبهاراً، لكن مرحلة ما بعد الافتتاح لا تقل أهمية، فالقيمة الحقيقية لأى متحف لا تُقاس بعدد زوّاره فقط، بل بمدى قدرته على أن يكون مصدراً للتعليم والإلهام.
لدينا فرصة حقيقية بأن يتعدى المتحف المصرى الكبير كونه صرحاً أثرياً، ليصبح مدرسة مفتوحة تُعيد تعريف علاقتنا بحضارتنا. يمكن أن يكون مساحة يتعلّم فيها الطلبة، والمعلمون، وحتى الزائرون الأجانب، كيف نفهم تاريخنا ونقدّمه بلغتنا نحن، لا بعيون الآخرين.
ما يفعله المتحف البريطانى مع طلابه ليس أمراً خارقاً، بل نموذج يمكن تطويره ليصبح المتحف جزءاً من حياة الأجيال الجديدة، لا مجرد وجهة سياحية. حينها فقط سنكون قد تجاوزنا فكرة «عرض التاريخ»، إلى «إحياء الوعى به».