لا حديث فى أمريكا، وبالتالى فى العالم، إلا عن فوز زهران ممدانى بمنصب عمدة نيويورك، وهى المدينة الأيقونة التى ترمز للسبيكة الأمريكية المتفردة، والخلطة السحرية من كافة الأصول والجنسيات والعرقيات من الذين يتجمعون فى بوتقة واحدة، تعيش صراع التنافر والتجانس منذ أن صارت قبلة العالم وحلم المهاجرين من أركان الكوكب الأربعة، لماذا هذه الدهشة وهذا اللغط حول ممدانى؟.
أولاً عمره 34 عاماً وهو يُعد أصغر عمدة يُنتخب لمدينة «New York City» منذ أكثر من مائة عام.
ثانياً مسلم شيعى وُلد فى كمبالا (أوغندا) لأبوين من أصول هندية، وحصل على الجنسية الأمريكية 2018 فقط.
ثالثاً ديمقراطى فى ظل سطوة الجمهوريين وسخط ترامب عليه بل وتحريضه ضده، فكيف يفوز وبهذا الاكتساح؟، هناك عدة أسباب رئيسية ساهمت فى فوزه، أبرزها أنه ركّز حملته كثيراً على الأسعار، الإيجارات، المواصلات العامة، والعدالة الاقتصادية، ففى مدينة مثل نيويورك، تكاليف السكن والنقل والطعام تشكّل عبئاً كبيراً على العديد من السكان، وهذه القضايا ساهمت فى جذب الأصوات التى تشعر بضيق أو رغبة فى تغيّر، وهذا ظهر فى نسبة التصويت القياسية - أكثر من مليونى ناخب، وهو أعلى رقم فى سبعين عاماً تقريباً، لأنه تمكن أيضاً من تعبئة الناخبين الشباب، وأولئك الذين ربما لم يكونوا مشاركين نشطين فى الماضى، ما منح حملته زخماً كبيراً، استخدامه الفعال للسوشيال ميديا وللتواصل الرقمى، والقدرة على إحداث حماس وخطاب مختلف عن التيارات التقليدية، ضعف المنافس الرئيسى Andrew Cuomo، الذى حاول وسانده ترامب بقوة وكان مثار جدل.
ممدانى تفوّق عليه فى التمهيديات وأيضاً فى الانتخابات العامة، وأدى انسحاب العمدة الأسبق Eric Adams من السباق إلى ترك فراغ فى القيادة ومنح فرصة لمرشح جديد للظهور، فضلاً عن أن رسالته كانت واضحة: «تغيير النظام» أكثر من مجرد إدارة، وهذا النوع من الرسائل يجذب من يشعر بأن الأمور الحالية لم تعد تخدمه، بالإضافة إلى دعم من قيادات اليسار مثل Bernie Sanders وبعض الحركات الشعبية والذى ساعده على الصعود والصمود برغم سنه الصغيرة، وهناك حزمة من الوعود جعلت كتلة كبيرة تسانده مثل: وعده بموجة تجميد للإيجارات (rent freeze) لوحدات ذات إيجار ثابت (stabilized) لتخفيف الضغط عن المستاجرين، تعهّده ببناء 200.000 وحدة سكنية ميسّرة (permanently affordable, rent-stabilized homes) خلال عشر سنوات، احتوى برنامجه الانتخابى على توسيع فكرة «الحافلات المجانية» (fare-free buses) كجزء من شبكة المواصلات العمومية لتخفيض تكلفة التنقّل، دعم لزيادة الاستثمار فى خدمة السكك (subway) والمواصلات الحضرية بشكل عام، وفى ما يتعلق بالتعليم، ركّز على ربط الأمومة والمتابعة الأسرية مع المدارس، وتوسعة البرامج ما بعد المدرسة، وتحسين الخدمات الصحية النفسية للطلبة، الدعوة لخفض الاعتماد على الاختبارات المبكرة، ومراجعة «الحكم الذاتى للمدارس الخاصة» وصيغ القبول فى مدارس النخبة، برنامجه اشتمل أيضاً على دعم القُوى العاملة، وتحسين دخول العاملين فى رعاية الأطفال، ومساواة فرص التعليم، وتعزيز الخدمات للمهاجرين والمجتمعات المهمّشة، هذه النقاط المنحازة للبسطاء والمهمشين جعلت الناخبين يتغاضون عن أى نقاط انتقاد له من حيث السن أو الدين أو العرق، معركة أثبتت أن صوت الناس أقوى من المال.