الصين تشغل العالم وتتحدى أمريكا
تنتشر الأخبار كل يوم عن خطوات إيجابية تحققها الصين في مختلف المجالات . مؤخرا سيطرت الصين بنسبة كبيرة على سوق السيارات في أوروبا، حتى غن شركات كبيرة وعريقة تراجعت حصتها السوقية , بل إن بعضها توقف عن الإنتاج خاصة في مجال السيارات الكهربائية . ومواكبة لذلك تشغل الابتكارات الصينية في مجال الأسلحة بال العالم , ونشر مؤخرا عن قدرة الصين على كشف السيارة الأمريكية الشبح إف 22 التي كانت أيقونة السلاح الجوي الأمريكي الذي يتفرد بامتلاكها . أصبح الصراع الاقتصادي والعلمي بين الصين والولايات المتحدة أحد أبرز ملامح النظام الدولي الجديد، إذ تسعى الصين بخطى حثيثة لتثبيت مكانتها كقوة عظمى قادرة على منافسة واشنطن في الاقتصاد والتكنولوجيا والتأثير السياسي. هذا الصراع لا يدور فقط في ميادين المال والتجارة، بل يتجاوزها إلى ساحات العلم، والابتكار، والهيمنة على المستقبل الصناعي والتقني، في معركة عنوانها السيطرة على مفاتيح القرن الحادي والعشرين.
منذ مطلع الألفية الجديدة، وضعت الصين استراتيجية بعيدة المدى تستهدف نقلها من “مصنع العالم” إلى “مركز الابتكار العالمي”. بعد أن بنت اقتصادها على التصنيع منخفض التكلفة وتصدير السلع إلى الأسواق الغربية، أدركت القيادة الصينية أن استمرار هذا النموذج لن يضمن لها السيادة في المستقبل. لذلك بدأت مرحلة جديدة، تركز على تطوير الصناعات المتقدمة، كالذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والفضاء، والطاقة المتجددة، وأشباه الموصلات. وفي الوقت نفسه، عملت على تعزيز مكانة عملتها الوطنية، اليوان، في التجارة الدولية، في محاولة تدريجية لكسر هيمنة الدولار الأمريكي الذي ظل لعقود سيد النظام المالي العالمي.
أما الولايات المتحدة، فقد رأت في هذا التحول الصيني تهديدا مباشرا لقيادتها العالمية. بعد أن سمحت طويلاً للصين بالاندماج في الاقتصاد العالمي عبر التجارة والاستثمار، بدأت واشنطن تدرك أن هذا الانفتاح خلق خصما قويا ينافسها في المجالات التي طالما احتكرتها. ومنذ عهد الرئيس دونالد ترامب الأول، ثم في إدارة جو بايدن، تبنت الولايات المتحدة سياسة احتواء جديدة تستهدف الحد من وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة، خصوصا في مجال صناعة الرقائق الإلكترونية والمعدات الدقيقة. فرضت قيودا صارمة على صادرات التكنولوجيا، وشجعت الشركات الأمريكية على إعادة سلاسل التوريد إلى الداخل أو إلى دول حليفة، كما أقامت تحالفات اقتصادية وعسكرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لاحتواء النفوذ الصيني المتنامي.
لم تقف الصين مكتوفة الأيدي . ردت بتكثيف جهودها لتطوير بدائل محلية للتقنيات الغربية، وزادت ميزانيات البحث العلمي إلى مستويات غير مسبوقة، وشجعت الشركات الوطنية الكبرى على الابتكار والمنافسة في الأسواق العالمية. كما وسعت من مشروع الحزام والطريق ، الذي يهدف إلى ربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكة من البنى التحتية والممرات التجارية، بما يمنحها نفوذا اقتصاديا وسياسيا واسعا خارج الإطار الغربي. كل ذلك يأتي ضمن رؤية طويلة المدى لتقليل الاعتماد على النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وبناء عالم متعدد الأقطاب يكون للصين فيه مركز متقدم.
هذا التنافس لا يخلو من التوترات السياسية والعسكرية. فقضية تايوان تبقى بؤرة الاشتعال الأخطر، إذ تعتبرها الصين جزءا لا يتجزأ من أراضيها، بينما ترى فيها الولايات المتحدة حليفا يشكل خنجرا في خصر التنين الأصفر . كما تتصاعد المنافسة في بحر الصين الجنوبي، حيث تسعى بكين لفرض سيطرتها على ممرات بحرية استراتيجية، في حين تواصل البحرية الأمريكية تسيير دورياتها في المنطقة لإثبات حرية الملاحة. هذه الاحتكاكات المتكررة تحمل في طياتها خطر الانزلاق إلى مواجهات عسكرية محدودة، رغم إدراك الطرفين أن الحرب المباشرة ستكون مكلفة ومدمرة للجميع.
يبدو أن الحرب الكبرى بين القوتين لا تزال بعيدة المنال، لأن الاقتصاد العالمي مترابط إلى درجة تجعل من الصعب فك الارتباط الكامل بين الصين وأمريكا. فالشركات الأمريكية ما زالت تعتمد على الأسواق والمصانع الصينية، في حين تعتمد بكين على التكنولوجيا والاستثمارات الغربية لتغذية نموها. لذلك، يسود بين الطرفين نوع من التنافس المحسوب أو الخصومة المنضبطة ، حيث يسعى كل جانب إلى توسيع نفوذه دون الوصول إلى نقطة اللا عودة.
المستقبل مرهون بقدرة الصين على تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجالات الحساسة، وبمدى نجاح أمريكا في الحفاظ على تفوقها العلمي والتكنولوجي. فالصين تمتلك طاقة بشرية هائلة ونظاما قادرا على حشد الموارد بسرعة، لكنها تواجه تحديات داخلية كشيخوخة السكان وتباطؤ النمو. أما الولايات المتحدة، فرغم قوتها الاقتصادية والتقنية، تعاني من انقسامات سياسية وتراجع في القدرة على فرض إرادتها على بقية العالم كما في الماضي. وبين هاتين القوتين، يقف العالم متوجسا من تداعيات هذا الصراع الذي يشبه الحرب الباردة الجديدة، ولكن بأدوات القرن الرقمي لا بالأسلحة النووية.
من المرجح أن يستمر التنافس الأمريكي–الصيني لعقود قادمة، وأن يتخذ أشكالا متعددة: اقتصادية، تكنولوجية، وحتى ثقافية. قد لا يخرج منه منتصر مطلق، لكن المؤكد أنه سيعيد تشكيل النظام الدولي برمته. فكل اختراع جديد، وكل تحالف أو أزمة اقتصادية، سيكون جزءا من هذه المعادلة الكبرى بين الشرق والغرب. وربما لا تكون الغلبة في النهاية لمن يملك أقوى السلاح أو أكبر الاقتصاد، بل لمن يملك القدرة على التكيف، والابتكار، والتعامل بمرونة مع عالم يتغير بسرعة تفوق كل التوقعات.