الإخوان والفن «5».. حكاية مؤلفة لأنور وجدي

حاتم جمال

حاتم جمال

كاتب صحفي

الكذب والتأليف والتدليس سمة أساسية لدى جماعة الشيطان، فهم يختلقون الحدث ويكتبون سيناريو خيالياً ثم يرددونه وتتناقله ألسنة مريديهم حتى يصبح واقعاً يصدقه الجميع، وهذا ما حدث فى رواية لقاء مرشدهم الأول حسن البنا مع النجم أنور وجدى، فالقصة بدأت عندما حكى الدكتور محمود عساف القصة فى كتابه «مع الإمام الشهيد حسن البنا» وتم تداولها داخل الجماعة كأمر مسلم به، حتى ذكرها عصام تليمة الهارب من مصر فى كتابه «حسن البنا وتجربة الفن»، هذه الرواية أشك فى صحتها من كمية التناقضات الموجودة بها.

الحكاية لن أرويها لأنها موجودة كاملة على المواقع المختلفة، ولكن سأتوقف عند محطات بها، فالباحث عصام تليمة استهل كلامه فى كتابه «كوّن البنا علاقة بالفنانين الذين تيسّر له الوصول إليهم، فقد كان يتعامل مع الفنانين بروح أخرى غير ما كان يتعامل بها معظم إسلاميى عصره، وهى روح المقاطعة وعدم إقامة أى علاقة معهم، ولا حتى الحرص على السلام عليهم، بل السخرية أحياناً والتنقص من امتهانهم للتمثيل، على عكس البنا رحمه الله، فقد أقام البنا علاقات مع الفنانين تركت أثراً طيباً عن دعوة الإخوان فى نفوسهم» أى إن شيوخ الأزهر فى النصف الثانى من الأربعينات كانوا يقاطعون نجوم الفن ويسخرون منهم، وهذا غير صحيح لأن شيخ الأزهر ووزير الأوقاف ساعتها الشيخ الجليل مصطفى عبدالرازق كان منفتحاً على الفنون، وكان يدعم النحات المصرى محمود مختار والسيدة أم كلثوم.

وله رأى فى الفن عندما قال «إنه يفيد الإنسان فى البحث عن قيم الحياة، لأنه إحساس نابض فى الوجود من قيم جمالية يعمل الفنان على إبرازها، وإن الذين يتوهمون أن الدين يعارض الفن يدلون على أنهم يسيئون فهم طبيعة الدين وطبيعة الفن، وإن المسلمين الأوائل أدركوا علة تحريم بعض الفنون كالأمر مثلاً بعد الرسم أو النحت خشية أن يرتد الناس إلى عبادة الأصنام، فلما زالت العلة وزال الخوف من عبادة الأصنام زال التحريم»، وكان يرى أن الفن يزرع السمو فى نفوس البشر، وهذا إن دل فيدل على أنه رأى الجماعة ومحاولة إسقاط رأيهم على إسلاميى هذا العصر.

كما أن «تليمة» قال نقلاً عن كتاب د. محمود عساف اللقاء الذى دار بين حسن البنا والنجم أنور وجدى كان فى صيف 1945، هذا العام كان مشحوناً بالنسبة للجماعة ولأنور وجدى نفسه، فبالنسبة للجماعة كان هناك تصعيد سياسى واجتماعى لها عند تفعيل تشكيلات عسكرية ضد الإنجليز والتحريض على اغتيال على ماهر ومحاولة التودد لهتلر بإرسال رسائل له، وهو ما أثر على علاقته بالإنجليز وكان على شفا المواجهة مع الملك فاروق، وأكيد وسط كل ما تعانيه الجماعة لم يكن ما يشغله تقديم النصح والوعظ لفنان كان على شفا النجومية ساعتها وليس فتى الشاشة كما ذكروا، كذلك فتح حساب فى البنك وسط هذا التوتر باسم الجماعة يستلزم أموراً هى أبعد من لقاء بفنان.

وعلى الجانب الآخر فإن عام 1945 كان نقلة نوعية لأنور وجدى كما ذكر الناقد الراحل محمد عبدالفتاح فى كتابه «سينما أنور وجدى»، وخصص لهذا العام باباً خاصاً به، لأن هذا العام انتقل أنور من البطولات الجماعية إلى البطولة المطلقة، وقدم فيه 12 فيلماً ودخل عالم التأليف والإخراج، فلم ينشغل عن أى شىء إلا فنه، ولم يكن حريصاً على أخذ النصح من أحد، لأن الكاتب كان فى كل صفحة من صفحات كتابه يؤكد على نرجسية أنور وجدى واستغلاله للفرص، وهو أيضاً ما يتعارض مع كلام الإخوان أن أنور وجدى بكى وقبل يد ورأس حسن البنا.

«ليمة» ذكر على لسان د. عساف أن أنور وجدى قال لحسن البنا «أنا أنور وجدى.. والمشخصاتى.. يعنى الممثل.. طبعاً أنتم تنظرون إلينا ككفرة نرتكب المعاصى كل يوم فى حين أنى والله أقرأ القرآن وأصلى»، اعتقد أن هذه هى نظرتهم للفن فلا يمكن لأنور وجدى وهو على مشارف نجومية مطلقة أن يقول هذا الكلام وينعت نفسه والفن بالكفر وارتكاب المعاصى حتى لو كان يكلم شيخ الأزهر وليس حسن البنا.

الأمر الأخير والمهم والذى ينسف ما قاله د. عساف فى نهاية اللقاء «فعندما سمع أنور وجدى هذا الرد الجميل من الإمام البنا بكى أنور وجدى وقبل يده ورأسـه، بعدهـا رأينا لأنور وجدى (ليلى بنت الفقراء)، أى إن أنور وجدى تأثر بالكلام مع حسن البنا وبدأ يقدم أعمالاً ترضى ذائقة الجماعة، وكانت البداية من هذا العمل، مع أن المتتبع لسينما أنور وجدى يجد أنه لا يوجد أى اختلاف فى أشكال الأفلام التى قدمها أنور وجدى قبل هذا الفيلم وبعده، باستثناء انتقاله من الدور الثانى لفتى الشاشة الأول، فهل لأن الفيلم اسمه «ليلى بنت الفقراء» فقط، أفلام أنور وجدى دائماً ما تشتمل على استعراضات ودائماً ما يستعين براقصات فى بطولة أفلامه، مثل الراقصات سامية جمال، نعيمة عاكف ونبوية مصطفى وغيرهم، كما أنه قدم بعد هذا الفيلم «ليلى بنت الأغنياء، قلبى دليلى، الهوى والشباب، عنبر، غزل البنات، أمير الانتقام، النمر حتى جنون الحب آخر أفلامه» فهل هذه الأفلام كانت على هوى الإخوان!

أعتقد أنه لا يوجد لقاء لعدم وجود روايات أخرى غير رواية الإخوان، مع أن مكتب مدير البنك كان مفتوحاً على حد قول د. عساف، وأن كل من فى البنك شاهد اللقاء ومع ذلك لم يتناقله إلا الإخوان.