محمود الجارحي يكتب: الصرخة الأخيرة خلف الباب المغلق.. حريق شبرا الذي أبكى القلوب
محمود الجارحي يكتب: الصرخة الأخيرة خلف الباب المغلق.. حريق شبرا الذي أبكى القلوب
كانت الساعة تقترب من السابعة صباحًا في شارع عزيز المصري بمنطقة بيجام، التابعة لمدينة شبرا الخيمة في محافظة القليوبية، حين انشقّ سكون الفجر على صوتٍ صغيرٍ باكٍ.. طفلٌ يصرخ من خلف بابٍ مغلق، لا يدري أن صرخته ستكون آخر ما يُسمع من تلك الشقة التي تحوَّلت في سبع دقائق فقط إلى جحيمٍ من النار والدخان.
داخل الشقة الصغيرة في الطابق السابع، في عقار متواضع.. كانت سارة أسامة – أمٌ في ريعان شبابها – تبدأ نهارًا جديدًا لا يشبه سابقيه.. قبل أسابيع قليلة فقط، انتقلت إلى هذه الشقة مع شقيقتها نورهان وأطفالها الأربعة، لتبدأ حياة جديدة.. في المطبخ، تُرك شاحن هاتف موصولًا بالكهرباء.. شرارة خافتة، لا تُرى بالعين، اشتعلت في لحظة، تمدّدت بين الأسلاك والستائر، ثم أشعلت نارًا تلتهم كل شيء أمامها.
خلال 7 دقائق.. كان الدخان الأسود يتصاعد بكثافة.. يتسلّل إلى الغرف، يخنق أنفاس النائمين قبل أن توقظهم النيران.. استيقظت سارة على رائحة الحريق وصوت طفلها يصرخ من الغرفة المجاورة، اندفعت بخطواتٍ متعثّرة نحوهم، تصرخ بأسماء أولادها: «يوسف.. آيسل.. ريان.. يونس»، لكن الدخان كان أسرع من قدميها.. حاولت فتح الباب الحديدي، لكنه كان مصعوقًا بالكهرباء.. كلما حاولت لمسه، شعرت بتيارٍ يصعقها، فتعود للخلف وهي تختنق.. نورهان، شقيقتها، حاولت أن تمد يدها إلى المقبض بيديها العاريتين، فسقطت بجواره دون حراك.
أما سارة، فقد وُجدت بعد الحريق تحتضن أحد أطفالها، كأنها تحاول أن تغطيه من النار بجسدها، لتبقى صورتها شاهدة على أمومةٍ قاتلت حتى الرمق الأخير.
في الخارج.. استيقظ الجيران على الصرخات والدخان المتصاعد من النوافذ.. ركضوا بخراطيم المياه والمطارق، يحاولون كسر الباب، لكن الكهرباء كانت تمسك به كفخٍ قاتل.
أحدهم روى في التحقيقات وهو يبكي: «سمعنا صوت الطفل بيعيط.. حاولنا نكسر الباب، بس الكهربا كانت ماسكة فيه، كأن البيت نفسه رافض يسيبهم يخرجوا».
حين وصلت سيارات الإطفاء، كان اللهب قد ابتلع كل شيء.. الدخان ملأ السلالم، ورائحة الاحتراق غطّت المكان.. وبعد السيطرة على الحريق، دخل رجال الإطفاء ليجدوا ستة جثامين: «الأم، شقيقتها، وأربعة أطفال صغار».. الطفل ذو الهمم.. الذي بدأ الصراخ أولاً، لم تلمسه النار، لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة من الدخان.
رجال النيابة العامة وصلوا إلى المكان، ثم إلى مستشفى ناصر العام لمعاينة الجثامين.. تقرير المعاينة الأولية كشف أن ماسًا كهربائيًا من شاحن الهاتف كان وراء الكارثة.. لا شبهة جنائية، ولا تزال التحقيقات مستمرة.
في المساء.. خيّم الحزن على الحيّ كله.
النساء يندبن، والرجال واقفون صامتين بوجوهٍ شاحبة.. الجدران السوداء بقيت تروي القصة.. آثار النار على الحائط، وبقايا لعب الأطفال تحت الرماد.
بيتٌ كان منذ أيامٍ مليئًا بالضحك والدفء.. أصبح شاهدًا على فاجعةٍ إنسانية تهز القلب.
رحلت الأسرة.. لكن أثرهم لم يرحل… في كل زاوية من المنطة..لم يتبقَّ من الشقة سوى رمادٍ وذكرياتٍ عالقة في القلوب.. رحلوا جميعًا.. لكن أصواتهم باقية في أذن كل من سمع صرخاتهم تلك الليلة.