القوة الناعمة للمتحف الكبير

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

نشرت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي صورا مُهيبة للتزاحم الكبير داخل المتحف المصري الكبير وخارجه بعدما نفدت تذاكر الدخول، فاستعوض الجمهور بالذهاب إلى منطقة الأهرامات، لم يكن نفاد كل تذاكر الدخول للمتحف يوم الجمعة 7 نوفمبر مجرد خبر يخص قطاع السياحة، بل كان صوتا عالميا مدويا يؤكد أن الحضارة المصرية القديمة لا تزال تحظى بالشغف الأكبر على كوكب الأرض.

يقف الصرح العملاق اليوم كمنارة ثقافية ومعرفية، ليسرد قصة مصر على مدى آلاف السنين بتقنيات العرض الأكثر حداثة، جامعاً كنوزها التي لم تعرض معا من قبل، المتحف الكبير أكثر من مجرد معرض للآثار؛ إنه أقوى أوراق القوة الناعمة لمصر في القرن الحادي والعشرين، إنه منصة دولية تعزز الدبلوماسية الثقافية، وتؤسس لحوار حضاري عميق مع العالم، وتجدد التأكيد على أن التراث المصري ليس إرثا محليا، بل مساهمة إنسانية عظمى تستمر في تشكيل وعي العالم وتطلعاته.

إن الإقبال الجماهيري غير المسبوق، الذي وصل إلى السعة التشغيلية الكاملة بعد أيام قليلة من الافتتاح الرسمي، يترجم الشغف العالمي للتواصل مع الحضارة المصرية القديمة . تجاوز المتحف المصري الكبير كل الأدوار ليتحول إلى أداة استراتيجية فاعلة في منظومة القوة الناعمة المصرية، ولعل أبرز تجليات هذا الدور تتمثل في الدبلوماسية الحضارية باستضافة مصر حفل افتتاح أسطوري بحضور ملوك ورؤساء ووفود رفيعة المستوى من عشرات الدول، لم يكن احتفالا داخليا، كان رسالة سلام ودعوة للحوار الإنساني بين الحضارات.

وكما المتحف مركز إشعاع ثقافي بكنوزه التي تعرض لأول مرة بالكامل، فهو يعزز الهوية الوطنية فبالنسبة للمصريين، لا يمثل المتحف إرثا فحسب، بل رمز لإعادة بناء الذات والنهوض الحضاري وترسيخ الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة، ويؤكد أن المصري المعاصر امتداد طبيعي للحضارة العظيمة التي شيدت هذا المجد.

المتحف سيضخ دماء جديدة في شرايين قطاع السياحة، ويدعم الاقتصاد الوطني بجذب شرائح سياحية جديدة وعالية الإنفاق، لكن تأثيره كقوة ناعمة يمتد أبعد من الأرقام، ليصبح قوة تأثير عالمي تعزز من مكانة مصر على خريطة التراث العالمي، ويجدد المطالب باستعادة الآثار المصرية المسافرة، إن المتحف الكبير، بموقعه الاستراتيجي جوار الأهرامات، وبحجمه ومحتواه، تتويج للقوة الناعمة المصرية، وإضافة محورية إلى قواها الناعمة الأخرى في مجالات الفن والدراما والأدب، ما يضمن لمصر تأثيرا كبيرا ومستداما على الساحة الدولية، أثبت المصريون والأجانب بشغفهم لزيارته أنه هدية مصر للعالم ورمز لعظمتها الحضارية.