«هدوا بيوت على النيل عشان تعدي».. قصة قطعة أثرية وزنها 230 طنا أهداها محمد علي لفرنسا
«هدوا بيوت على النيل عشان تعدي».. قصة قطعة أثرية وزنها 230 طنا أهداها محمد علي لفرنسا
بين عبقرية المصريين القدماء وروح الاكتشاف الأوروبية، وقفت عيون شامبليون في الأقصر مبهورة بعظمة المعابد والمُسلات التي حيرت أوروبا بأكملها، وما كان مجرد إعجاب في لحظة تحول إلى رحلة تاريخية طويلة، حين قرر محمد علي باشا إهداء فرنسا مسلة رمسيس تكريمًا لفك رموز حجر رشيد، لتبدأ مغامرة نقل استثنائية استغرقت 3 سنوات، جمعت بين الهندسة المصرية ودهاء النقل البحري الفرنسي، حتى وصلت المسلة إلى قلب باريس حيث أبهرت المسلة الجمهور الأوروبي بعظمة حضارة لا يمحوها الزمن.
وكشفت رسالة قديمة بخط يد شامبليون مدى إعجاب العالم الفرنسي بالحضارة المصرية عندما وصل إلى الأقصر إذ ذُهل من آثارها، والإعجاز الهندسي المصري، وكتب في مذكراته: «أعترف أنَّنا في أوروبا لسنا سوى أقزام، وأنه لا يوجد شعب قديم أو حديث بلغ فهم وتصورًا في العمارة بمثل هذه الدرجة الرفيعة التي بلغها المصريون القدماء»، وعندما تمكن من فك رموز حجر رشيد، كان تكريم محمد علي باشا له أن أهدى فرنسا واحدة من أجمل مسلات مصر القديمة، والتي استغرق نقلها نحو 3 أعوام تقريبًا، مع هدم البيوت المطلة على النيل فكانت خسارة الأهالي وقتها خسارتين واحدة على القطعة الأثرية والثانية على بيوتهم.
قصة نقل مسلة رمسيس إلى باريس
عالم المصريات الفرنسي شامبليون، الذي زار مصر عام 1828، استقبله محمد علي، وحسب كتاب «مصر ولع فرنسي»، تأليف روبير سوليه، ترجمة لطيف فرج، الصادر عن «مكتبة الأسرة، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة»: «أعجب شامبليون بهاتين المسلتين (إبرتا كليوباترا) حين نزل الإسكندرية أغسطس 1828، وأرسل خطابًا إلى شقيقه أعرب فيه عن أمنيته بأن تأخذ فرنسا هديتها قبل أن تفلت الفرصة منها، لكنه حين وصل إلى الأقصر أصيب بنشوة وذهول، ووقع أسير الإعجاب بمسلتين أخريين من الجرانيت الوردي عند مدخل المعبد، ووجد أنهما أفضل بكثير من مسلتي الإسكندرية الصغيرتين»، في هذا الوقت وافق محمد علي على أن يرسل لفرنسا المسلات الصغيرة مع مسلة رمسيس لكن فرنسا رفضت بسبب تكلفة نقل المسلة الكبيرة.

يقول الباحث الأثري عماد مهدي، في تصريحات لـ«الوطن»، إن مصر وافقت على منح فرنسا المسلة «مسلة رمسيس» التي كانت في الأقصر بدلاً من «إبرتا كليوباترا» الموجودة حاليًا في نيويورك ولندن، وشكّل ملك فرنسا لجنة خاصة لتنفيذ اقتراح شامبليون ببناء سفينة خاصة لعملية النقل، على أن تكون ذات قاع مستوٍ، تستطيع السفر في البحر، والصعود في نهر النيل بمصر، والنزول في نهر السين بفرنسا.
عملية النقل كانت معقدة وطالت الرحلة التي كان من المقدر لها أن تنتهي في 3 أشهر وخرجت المسلة في 3 سنوات، بحسب «مهدي» الذي قال: «محمد علي باشا، لما قرر أن يهدي فرنسا مسلة الملك رمسيس، وطول المسلة حوالي 23 مترًا، ووزنها 230 طنًا، لكن نقل المسلة احتاج تشييد سفينة خاصة لنقلها عبر النيل من الأقصر إلى الإسكندرية، والرحلة استغرقت حوالي 3 سنوات نظرًا لعقبات عدة، منها وزن المسلة وانخفاض منسوب مياه النيل، حتى وصلت الإسكندرية لتبدأ مرحلة أخرى في رحلتها، بدأت الرحلة عام 1833 وانتهت عام 1836».

رحلة السفينة
مع وصول السفينة، التي تم تدشينها خصيصًا لنقل المسلة، إلى الإسكندرية تحت إشراف البحرية الفرنسية وطقم بحري مكوَّن من 100 فرد، بحسب «مهدي»، كان في انتظارها قاطرة عملاقة اسمها «سفنكس»، وقامت بجر السفينة من ميناء الإسكندرية إلى ميناء تولون، ثم إلى ميناء شيربور، ثم المرحلة الأخيرة لابحارها إلى نهر السين، وقتها تم هدم المنازل المجاورة للمعبد لسهولة حركة ونقل المسلة».

في الجانب الآخر من البحر، خاصة في باريس عاصمة الجمال الأوروبية، كان هناك احتفال كبير بالمسلة الفرعونية بحضور 200 ألف فرنسي في احتفالية كبرى شهدتها فرنسا، وكان هناك أكثر من مقترح لتنصيب المسلة، لكن تم القرار لتنصيبها في ميدان الكونكورد.
يقول الباحث الأثري، كان غرض محمد علي إهداء المسلة تكريمًا لفك رموز حجر رشيد، ولا نعلم من تحمل تكاليف النقل، التي بلغت حوالي 500 ألف فرنك، هل تحملتها فرنسا أم تكفل بها محمد علي؟ أما شامبليون فكتب في يومياته، التي جمعتها مؤرخة فرنسية اسمها هرمين هارتلين عام 1919، في رسالة كتبها لشقيقه جاك جوزيف مؤرخة في 24/11/1828: «رأيت قصر الأقصر العملاق تنتصب أمامه مسلتان، ارتفاع كل منهما 80 قدمًا، نُحتتا بإتقان من كتلة واحدة من الجرانيت، فضلاً عن 4 تماثيل ضخمة لرعمسيس الأكبر من الجرانيت، ويعجز لساني عن وصف واحد من ألف مما يجب وصفه عند التعرض لمثل هذه الأشياء، فإما أن يظنني الناس مفعمًا بالحماس أو مجنونًا. أعترف أننا في أوروبا لسنا سوى أقزام، وأنه لا يوجد شعب قديم أو حديث بلغ فهم وتصورًا في العمارة بمثل هذه الدرجة الرفيعة التي بلغها المصريون القدماء».