هل كان المصريون القدماء مشركين أم عرفوا التوحيد؟.. «الأوقاف» تجيب بالأدلة
هل كان المصريون القدماء مشركين أم عرفوا التوحيد؟.. «الأوقاف» تجيب بالأدلة
لطالما أثارت حضارة مصر القديمة دهشة العالم وإعجابه لكن جدلًا كبيرًا دار حول عقيدتهم، هل كان المصريون القدمان مشركين؟ أم عرفوا التوحيد منذ القدم وعبدوا الإله الواحد؟
ردت وزارة الأوقاف على هذه التساؤلات بالأدلة مستندة إلى نصوص دينية وتاريخية وشواهد علمية، لتكشف عن أنّ المصريين القدماء لم يكونوا جميعهم على الشرك، بل عرف بعضهم التوحيد وعبادة الله الواحد منذ آلاف السنين، مستفيدين من نور الأنبياء والحكماء الذين عاشوا على أرض الكنانة، لتعيد هذه الحكاية رسم صورة مصر القديمة، بعيدًا عن التعميم والمغالطات، وتبرز حضارة متصلة بالعلم والدين والتوحيد منذ أقدم العصور.
هل كان المصريون القدمان مشركين؟
أوضحت وزارة الأوقاف، عبر منصتها الرسمية، أنه لا خلاف بين العلماء على أنّ المصريين القدماء كانوا مثل بقية شعوب العالم منهم المؤمن ومنهم غير المؤمن، مشيرة إلى أنّ وصْفُ المصريين القدماء بأنهم كانوا وثنيين أو مشركين أو كانوا يَعبُدون من دون الله تعالى بإطلاق وتعميم «جهالة عظيمة»؛ بل على العكس عَرَفَتْ مصر التوحيد منذ العصر الحجري الذي يبدأ من 6000 سنة إلى 5000 سنة قبل الميلاد.
واستشهدت الوزارة، عبر المنصة الرسمية، على ما قالته بـ«نصوص وشواهد تاريخية على وجود التوحيد في مصر القديمة»، وإليك بعض هذه الأدلة:
أولًا: ثبت بالأدلة القاطعة نزول الأنبياء إلى مصر المباركة، وأنّهم دعوا أهلها إلى التوحيد، ومن هؤلاء سيدنا شيث بن سيدنا آدم، ثم إدريس وإبراهيم ويوسف ثم أبيه وإخوته الأسباط الاثنا عشر، وأيوب وذو القرنين، والخضر ولقمان، عليهم جميعًا سلام الله، وقد أقيمت حضارات في زمانهم ودعوتهم إلى التوحيد قائمة.
ووجود الأنبياء في مصر دليل على وجود التوحيد في كل فترة من الزمان، وجَحْدُ ذلك جَحْدٌ لنصوص قاطعة تخبرنا: {وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ} [فاطر: ٢٤] وقال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ} [يونس: ٤٧] فكيف يزعمون أن حضارة ضربت في أعماق التاريخ لآلاف السنين أنهم كانوا على الشرك والكفر دون بشير ونذير لآلاف السنين.
ثانيًا: عدد الأنبياء عليهم السلام وحظ أرض الكنانة مصر من هذا النور
ذكر وهب، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أوّل المرسلين آدم، وآخرهم سيدنا محمد- صلّى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين - وكانت الأنبياء مائة ألف، وأربعة وعشرين ألف نبيّ، الرّسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا ويقال: ثلاثة عشر رسولا، منهم: خمسة عبرانيون، وهم: آدم، وشيث، وإدريس، ونوح، وإبراهيم وخمسة من العرب، وهم: هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب، ومحمد، وأوّل أنبياء بنى إسرائيل: موسى. وآخرهم: عيسى، عليهما السلام. [المعارف لابن قتيبة الدينوري: ص٥٦].
وكان لمصر الكنانة نصيبٌ وافرٌ من نور النبوّة، فهي أقدمُ دولِ التاريخ وأرسخُها حضارةً، ولا ريب أن لها حظًّا من الأنبياءِ الذين أرسلهم الله في الأزمنة والدهور: يقول الله تعالى في شأن موسى عليه السلام: {وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [يونس: ٨٧].
ويقول جل شأنه في شأن نبي الله يوسف عليه السلام: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [يوسف: ٢١]، ويقول تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ} [يوسف: ٢١]، ويقول الله تعالى مخبرا عن تفاخر فرعون بملكه لمصر: {وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} [الزخرف: ٥١].
شهادة العلماء والمفكرين بسبق المصريين إلى التوحيد
وتابعت الوزارة بأنّ العلماء قالوا: «إِن أول من ملك مصر بعد الطوفان بيصر بن حام بن نوح، ونزل مدينة منف هو وثلاثون من ولده وأهله، ثم ملكها بعده ابنه مصر بن بيصر وهو الذي دعا له نوح صلوات الله عليه بما دعا له، وسميت البلاد به، لامتداد عمره وطول مدة ملكه، ثم ملك بعده ابنه قفط بن مصر، ثم ملك بعده أخوه أتريب بن مصر، وأتريب المذكور هو الذي بنى مدينة عين شمس وبها الآثار العظيمة إِلى الآن».
فهذه الآثار العظيمة الموجودة إلى الآن كما أخبر المؤرخون هي أثر طيب لمؤمنين صالحين من نسل سيدنا نوح عليه السلام عاشوا بمصر المباركة.
ثانيًا: أثبت القرآن الكريم والسنة المطهرة وجود مؤمنين من قوم فرعون الذي ادَّعى الألوهية والربوبية معًا، قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ} [غافر:٢٨].
وكما نصت الأحاديث الصحيحة أيضا بذلك، كما في الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». [البخاري: ٣٤١١، ومسلم: ٢٤٣١].
وقال الإمام شيخ الإسلام النووي في أثناء حديثه عن فرعون الذي كان في زمان سيدنا موسى عليه السلام: «وليس في الفراعنة أعتى منه، وليس هو فرعون يوسف عليه السلام؛ لأن فرعون يوسف أسلم على يديه، والله أعلم». [تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٩)].
وتابعت وزارة الأوقاف بأنّ الأستاذ العقاد قال عن التوحيد في الديانات القديمة: «والتوحيد توحيدان: توحيد الإيمان بإله واحد خلق الأحياء وخلق معهم أربابًا آخرين. وتوحيد الإيمان بإله واحد لا إله غيره. ولم تُعرف أمة قديمة ترقَّتْ إلى الإيمان بالوحدانية على هذا المعنى غير الأمة المصرية». [إبراهيم أبو الأنبياء للعقاد صـ ٢٥٤، ٢٥٥]، فالأستاذ العقاد يقرر أن إطلاق كلمة التوحيد كانت تقال عمن يثبت الوحدانية لله تعالى ولكن لا يمنعون وجود شريك آخر وهو عين شرك الجاهلية لما كانوا يقولون: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك»، فهم قالوا بوجود إله ولكن عبدوا معه غيره. بخلاف منكر الألوهية أصلا.
وأما الصنف الثاني فهو التوحيد الخالص الذي لا يثبت ذاتا مشاركة لله في شيء، بل هو المنفرد بكل كمال، فيقرر الأستاذ العقاد أنه لا يعرف أمة ترقت إلى هذا النوع غير الأمة المصرية.
وأكدت وزارة الأوقاف أن القول بإنّ تصوير المصريين القدماء بالتعميم والإطلاق على أنهم كانوا على الشرك من المغالطة؛ بل إنهم عرفوا التوحيد الخالص ودانوا به قبل شعوب عديدة لاتصالهم بالأنبياء من جهة، والحكماء كلقمان وأمين موبي وإخناتون، وذي القرنين، والخضر، وسارة، وآسية، وغيرهم من جهة أخرى، والله تعالى أعلى وأعلم.
واختتمت الأوقاف بقولها: «يتبيّن من دراسة النصوص الدينية والتاريخية أن وصف المصريين القدماء جميعًا بالشرك تعميم غير دقيق، فقد وُجد في مصر القديمة دعاة إلى التوحيد ومؤمنون بالله، وشهدت بعض عصورها نزعات توحيدية واضحة كعصر إخناتون؛ وعليه فمصر لم تكن دار وثنية مطلقة، بل عرفت دعوات إلى عبادة الإله الواحد منذ أقدم العصور».