فطرة المواطن المصري شديدة الوعي
ما يقرب من ٢٠ ألف زائر يومياً يتوجه إلى المتحف المصرى الكبير لمشاهدة عظمة تاريخ هذا البلد، بين هؤلاء مصريون وكذلك سياح أجانب.
يخبرنا هذا الرقم الكثير عن الواقع الحالى، وكذلك عن سنوات قضاها هذا المجتمع متخبطاً فى اتجاهات غير صحيحة، ربما تسببت -على عكس المأمول- فى زيادة المعاناة بدلاً من إنهائها.
سنوات قضاها المجتمع المصرى متمسكاً بوهم خفض الأسعار كمرادف لتحسين مستوى المعيشة، والحفاظ على الدعم كمرادف لتسهيل الحصول على السلع والخدمات، والإبقاء على كل شىء كما هو، خوفاً من أن يتحول التطوير فى أى لحظة إلى فوضى خارجة عن السيطرة أو إهدار للموارد.
ربما حديث مثل هذا ينتهى إلى لومٍ لحكومات سابقة، وهو لومٌ يحمل قدراً كبيراً من الوجاهة، لكن اختزال المسألة فى تحميل المسئولية لحكومة واحدة أو مسئول واحد مهما علا منصبه، هو إخلال بالحقيقة التاريخية التى تقول إننا جميعاً كمجتمع كنا طرفاً رئيسياً فى المشكلة، تماماً كما أننا الآن جميعاً طرف رئيسى فى الحل.
أهم مفهوم أدركه المصريون فى السنوات الأخيرة، هو ما أدركته كل الأمم التى انطلقت وحققت إنجازات كبرى، مفهوم يقول إن خفض الأسعار أو محاولة التعامل مع المتاح فقط، دون تطوير -ولو ترافق مع التطوير معاناة- هو مجرد تأجيل للمشاكل التى ستتراكم وستنفجر حتماً فى وجوهنا جميعاً.
ما أدركه المصريون أن صعوبة الطريق ليست معياراً وحيداً يدفعنا لرفض الرحلة، طالما أن هذه هى الطريق الوحيدة.
عودة إلى المتحف..
لم يلتفت المصريون إطلاقاً إلى كل الدعاية السوداء المغرضة التى تركزت على حجم ما تم إنفاقه، تماماً كما أنهم لم يلتفتوا لنفس الدعاية السوداء المغرضة التى تهاجم ما تم إنفاقه على مشروعات البنية التحتية، وبالتوازى مع ما سبق، لم يلتفت المصريون -رغم كل المعاناة- إلى الدعاية السوداء المغرضة التى هاجمت الإصلاح الاقتصادى.
فعل المصريون ذلك لسبب وجيه جداً: لقد جربنا الطرق المعاكسة ولم نصل إلى شىء، على العكس، كانت الأمور تنزلق من سيئ لأسوأ، فلنمض فى الطريق الصحيحة مرة واحدة وللأبد كما يقولون، للوصول إلى حلول جذرية.
الهدف الصحيح هو زيادة الدخل وليس خفض الأسعار، والإنفاق على مشروعات تُدر دخلاً فى المستقبل هو إنفاق فى محله وليس إهداراً، والإصلاح الاقتصادى حجر زاوية فى أى مسار ناجح نريده.. إذن فلنفعلها!
هذا الفهم الفطرى البسيط، لا يفهمه المطاريد الجواسيس طبعاً، وكذلك بعض النخب التى تدعى الثقافة، لكن رجل الشارع أدركه تماماً.