محمود فوزي السيد يكتب: محمد فؤاد.. مطرب ظلم نفسه
أحترم تاريخ محمد فؤاد.. أحب فى أغنياته كونها جزءاً أصيلاً من ذكريات جيل كامل تأثر به وبما قدّمه من حالة غنائية متفرّدة مع نهاية الثمانينات، وبلغت أشدها فى التسعينات، بل وامتدت آثارها إلى مطلع الألفية الجديدة.
إحساس بالوحشة لطلته لا ننكره.. شعور بالحنين إلى صوته «من وقت للتانى» ينتاب المحبين لتلك النوعية من الغناء التى تميز بها.
هو مشروع مهم فى تاريخ الأغنية المصرية كان يجب أن يكتمل بالسعى والتفكير والتجديد، لا أن يتوقف فى منتصف رحلة، تاركاً مسرح الأحداث، ومتنازلاً طواعية عن مكانة حقّقها فى سنوات طويلة من الغناء، لا يمكن أن يظل فنان فى قيمة محمد فؤاد غائباً عن المنافسة لأكثر من 16 عاماً لم يقدم خلالها أى جديد منذ آخر ألبوماته «بين إيديك»، لا يُعقل أن يبتعد كل هذه المسافة عن جمهور ظل مع مطلع كل عام ينادى عليه بأعلى صوت «ارجع يا فؤاد»، وكأنه عتاب المحبين لفنان يقدّر الجمهور تاريخه.
ومر عام بعد الآخر حتى تخطى غيابه الـ16 عاماً وفؤاد لا يجيب ولا يستجيب للنداءات والمطالبات، فقط بعض الأخبار هنا وهناك عن قُرب العودة والتحضير لأغنيات جديدة وألبوم قارب على الانتهاء، مع الكثير من الوعود بلقاء الجمهور خلال «الموسم القادم»، الذى لم يأتِ أبداً حتى الآن.
ومنذ عدة أشهر، خرج الكثير من الأخبار «الحقيقية» عن اتفاق فؤاد مع إحدى شركات الإنتاج على طرح ألبوم جديد، وزاد من «واقعية» تلك الأنباء وجود أغانٍ بالفعل، وفريق عمل من مشاهير صناعة الأغنية خلال الفترة الحالية، أخبار منتشرة حول الاختيارات وأسماء فريق العمل، وهم مجموعة من أهم العاملين حالياً فى مجال صناعة الأغنية، إذن نحن على أعتاب عودة بالتأكيد قوية لفؤاد بصحبة فريق عمل من الدرجة الأولى، وكان موسم الصيف الماضى هو موعد طرح الألبوم الذى تم الإعلان عنه، لكن مر الصيف مثل «15 صيفاً قبله» دون وجود، لا لفؤاد ولا لألبومه، وكانت نتيجة هذا الغياب خيبة أمل جديدة لجمهور ما زال يحاول أن يكون على العهد، ولا يُلقى أقلامه، مُعلناً نهاية علاقة امتدت لسنوات مع مطربه المفضّل.
وكانت المفاجأة المزعجة لجمهور فؤاد -أو المهتمين على الأقل بعودته- بالأخبار التى انتشرت مؤخراً بأزمة إنتاجية حدثت بين فؤاد ومنتجه الجديد أدت إلى قراره بالانسحاب من المشروع رغم اختياره 12 أغنية، هى كل أغنيات الألبوم، وقيام المنتج بالاتفاق مع عمر كمال -المنتمى أحياناً إلى مؤدى المهرجانات، وأحياناً أخرى إلى المطربين الشعبيين- بتقديم أغنيات ألبوم فؤاد بصوته، خاصة أن ملكية الأغانى تعود إلى شركة الإنتاج وليس لمحمد فؤاد، وهو ما يمكنها قانوناً من أن تستبدل بفؤاد أى مطرب آخر.
وجاء فى الأسباب أن بعضاً من فريق عمل الألبوم رشّحوا عمر كمال، لأن صوته وأسلوبه قريبان من أسلوب محمد فؤاد، وأنه مناسب لتقديم الأغنيات نفسها التى صنعوها بأسلوب فؤاد حتى لا يشعر الجمهور بغربة عند عودته.. لتخرج الأغنيات تباعاً من الألبوم بصوت عمر كمال الذى ما زلت أرى أنه بعيد عن محمد فؤاد «رغم التشابه»، لأن أسلوب كمال يحمل لمحة «شعبية» ليست من بين صفات صوت فؤاد، أما فؤاد فقد ظلم نفسه من جديد بالتنازل عن فرصة للعودة إلى الغناء.. إلى الجمهور.. إلى الحياة إذا ما اعتبرنا أن الغناء هو الحياة نفسها للمطرب.. وبدون الدخول فى أسباب، أو نوايا، أو مين السبب، فهى أمور لا تهم جمهور الأغنية فى شىء.
أضاع فؤاد على نفسه فرصة مهمة بطرح ألبوم غنائى بعد غياب طويل، فعندما كانت الشكوى من عدم وجود شركة إنتاج مبرراً للبعد، كان هناك سبب واضح للغياب، وهو عدم وجود قدرة إنتاجية لدى فؤاد لإنتاج أعماله، أما أن تتوافر الظروف الإنتاجية وتتكفّل شركة بإنتاج 12 أغنية كاملة، ثم ينتهى المشروع كاملاً دون أن يخرج فؤاد ولو مرة واحدة، مبرراً موقفه أو مفنّداً أسباب انسحابه، أو مؤكداً حتى على استبدال المشروع بآخر، وتنفيذ ولو أغنية على الأقل وطرحها كدليل على الرغبة فى العودة، فهو الأمر الذى يؤكد أن محمد فؤاد لا يزال سائراً فى اتجاه «البعد» نفسه، ولم يحن الوقت بعد ليترك تلك الوجهة ويغيرها إلى اتجاه «العودة».
الأزمة الحقيقية التى ربما يغفل فؤاد نفسه عنها أن الفرص لا تُصنع بسهولة، وإنما تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد لصناعتها واقتناصها، بل والفوز بها، وأن الجمهور المنتظر منذ أكثر من 16 عاماً ربما يصيبه الملل ويقرّر هو الآخر مبادلته شعور «البعد»، لكن صدقاً لو «ابتعد» الجمهور فلن يستطيع أحد أياً من كان إجباره على العودة.