إبراهيم عبدالمجيد: «المتحف الكبير» أعظم الإنجازات المعاصرة وكنوزه الأثرية شاهدة على حضارة لا يمكن محوها أو نسيانها
إبراهيم عبدالمجيد: «المتحف الكبير» أعظم الإنجازات المعاصرة وكنوزه الأثرية شاهدة على حضارة لا يمكن محوها أو نسيانها
حوار .. السيد العديسي
تصوير.. عدنان عماد
يكتب كأنما يغرد وحيداً، فى منطقة حكى وسرد تخصه، ممسكاً بالخيط الروائى الذى بدأ فى كرِّه منذ عقود وما زال ينسج به أساطيره الخاصة.. فإبراهيم عبدالمجيد ليس مجرد كاتب أو روائى، لكنه حالة شاملة من الإبداع، فيها ستجد الملحمة والقصة والجمال.. يكتب كأنما يغنى.. هكذا نراه، وهكذا ينصت إليه القارئ حين يبدأ فى دخول عالمه الروائى الفريد. التقينا به اليوم ليحدثنا عن مصر.. وعما يراه ليكون هذا الوطن أفضل..
- افتتاح المتحف المصرى الكبير هو أعظم الإنجازات المعاصرة. من ناحية هو مشروع طال به العهد منذ أيام الوزير فاروق حسنى فى عهد مبارك، وتأخر لأسباب نعرفها جميعاً تتعلق بالأحداث السياسية بعد ثورة يناير 2011.
ومن ناحية هو فى مكان رائع يطل على الهرم. ويحوى أكبر عدد من التماثيل والتحف الفرعونية، شاهدة على حضارة لا يمكن محوها أو نسيانها. المتحف يعيد لنا الذاكرة مهما غيَّبتها الأيام. الحضارة المصرية سبقت غيرها فى كل القيم النبيلة الخاصة بالأسرة أو الوفاء أو الحب أو الله فى السماء ويوم الحساب، وغيرها، والحديث عنها طويل. لقد استوعبت مصر بعدها كل الأديان التى وفدت إليها، لأنها عرفت قبل الجميع الطريق إلى الله ويوم الحساب والتوحيد. أبرز العلامات على ذلك فى الآثار، بالإضافة إلى الترانيم فى أوراق البردى، وهى الأهرامات التى تنتهى مثلثةً إلى السماء، والمسلات التى تنتهى أيضاً بنفس الشكل، وهذه إشارة إلى سهولة ارتفاع الروح أو الجسد إلى يوم الحساب. والحفل الذى افتتحه السيد الرئيس وحضره أعلام من الرؤساء والأمراء والوزراء من العالم وغيرهم بداية لما سيحدث فى الأيام القادمة من إقبال عظيم عليه.
والزيادة فى أعداد السياح من العالم ستكون عظيمة، وما أرجوه هو أن يتم تعديل المناهج التعليمية فلا يكتفون بالحديث عن حروب الملوك فى مصر القديمة فقط، وإنما يتحدثون عن القيم العظيمة التى أرستها هذه الحضارة فى الدين والحياة وفيما يتعلق بالأرض والنيل والحيوانات وغيرها من القيم النبيلة التى جاءت بها الأديان السماوية بعد ذلك، وكانت مصر أرضها التى أنبتتها.
■ قبل ذلك بقليل كنا نحتفل بانتصار أكتوبر المجيد.. احكِ لنا عن هذا اليوم وما تتذكره من انفعالات النصر؟
فى يوم السادس من أكتوبر، كان لدىّ موعد بالقاهرة فى مبنى الإذاعة والتليفزيون، لتسجيل قصة قصيرة فى البرنامج الثانى (البرنامج الثقافى فيما بعد)، كنت قد تعرّفت عليه من قبل، وعلى عدد من أهم المذيعين فيه وهم كُتاب ومترجمون، منهم بهاء طاهر، وشوقى فهيم، وكمال ممدوح حمدى رحمهم الله، وغيرهم.
كنت ما زلت أقيم فى الإسكندرية أحضر إلى القاهرة بعد أن أنشر قصة أو اثنتين فى مجلات كالهلال أو الطليعة، لأحصل على المكافأة عن كل قصة، كانت المكافأة خمسة جنيهات عن القصة، والخمسة جنيهات وقتها كنت تشترى بها بدلة من الصوف من صناعة شركة ستيا مثلاً، أى لم تكن مبلغاً قليلاً. كنت أحرص أن أحضر بعد نشر قصتين ليكون العائد عشرة جنيهات، وهو مبلغ رائع وقتها، كنت خلال الأعوام الأربعة السابقة قد تعرفت على الأدباء الذين يعيشون بالقاهرة، وصارت بيننا مودة جميلة، شخصيات مثل أمل دنقل أو يحيى الطاهر عبدالله أو رجاء النقاش وأسماء كثيرة، المهم، أعود للحديث عن يوم السادس من أكتوبر.
«القوة الناعمة» تعنى الثقافة والفكر.. وقديماً كانت المدارس الحكومية بيوتاً ثقافية وفنية
حضرت إلى القاهرة فى اليوم الخامس من أكتوبر. كان لى صديق من الإسكندرية يعمل فى المصانع الحربية فى حلوان ويعيش فيها، ذهبت إليه فى المساء لأبيت عنده، ثم أذهب فى الصباح إلى مكتب البرنامج الثانى بمقر الإذاعة والتليفزيون لإذاعة القصة، وكانت عادتى ألا أنام مبكراً، بل أحب السهر، سهر معى صديقى السكندرى بعض الوقت، ثم تركنى لينام بينما ظللت ساهراً، قبل الفجر بقليل سمعت ضجيجاً فى الخارج، فخرجت إلى البلكونة أرى مصدره، وجدت رتلاً طويلاً من الدبابات تمشى وصوت عجلاتها هو مصدر الضجيج، اندهشت جداً وسألت نفسى من أين تأتى هذه الدبابات وإلى أين تذهب، هل ستقوم الحرب غداً؟ لم أوقظ صديقى لأسأله، ونمت حتى أذهب إلى الإذاعة فى الموعد، وكان الثانية عشرة ظهراً.
وصلت إلى الإذاعة فى الموعد وسجلت القصة، وكانوا يدفعون عشرة جنيهات للكاتب، أى أكثر من المجلات. جلست بعدها جلسة حميمية مع كمال ممدوح حمدى وشوقى فهيم وبقية المذيعين. فى حوالى الساعة الثانية ظهراً، دخل أحد الموظفين يطلب مغادرة أى شخص من غير العاملين. لماذا؟ سألوه فقال: «الحرب قامت والجيش يعبر القناة وسوف يتوقف أى حديث ثقافى. كل الأحاديث ستكون متابعة للأحداث، الحرب قامت؟ يا الله، كانت المفاجأة لنا، أنا وغيرى من الجيل الذى كان يخرج فى المظاهرات ضد «السادات»، ونراه قد تأخر فى الحرب، لم يكن أمامى إلا ترك الإذاعة وخرجت.
أخذت طريقى مشياً طبعاً، فالمسافة قريبة، إلى مقهى ريش. كنت صائماً فاليوم هو العاشر من رمضان، لكن لا بأس أن أجلس مع بعض الكُتاب، كان هناك تليفزيون موضوع أمامنا ورحنا نتابع العبور فى ذهول وفرحة عامرة، عرفت منهم أن هناك لقاء فى المساء للأدباء فى نادى الأدباء، وكان مقره شارع قصر العينى، مع يوسف السباعى الذى كان وزيراً للثقافة، ذهبت فى المساء إلى اللقاء، كان اللقاء يدور عن دور الأدباء خلال الحرب، بعده أخذنى كمال ممدوح حمدى لأبيت عنده فى شقته بشارع الهرم، فذهبت معه. كان العجيب فى هذه الليلة أن كمال ممدوح حمدى استطاع أن يجعل الراديو يأتى إلينا بصوت القتال بعد العبور؛ أصوات الجنود وأصوات الرصاص، كانت لديه مهارات غريبة فى الأعمال الكهربائية واللاسلكية، رغم أنه كاتب ومترجم. سهرت غير مصدق ما أسمع وكنت سعيداً حتى نمت، وأخذت طريقى فى الصباح إلى الإسكندرية، كانت مصر كلها فى فرح وزهو حتى بعد أن حدثت ثغرة الدفرسوار وجاء عيد الفطر، لم تصنع البيوت كعك العيد تضامناً مع الجنود، كانت أياماً رائعة لا تُنسى.
صناعة السينما كانت حتى الستينات المصدر الثانى للدخل القومى بعد القطن.. والآن انتهى ذلك للأسف وأصبحت القوة الناعمة فى خلفية المشهد
■ كأحد الرموز الثقافية، كيف ترى تأثير القوى الناعمة فى المجتمع، وكيف يمكن دعمها من خلال الدولة لتأكيد هذا التأثير؟
ما يسمى بالقوة الناعمة، وهو المصطلح الذى يعنى الثقافة والفكر، لها أكبر تأثير فى تكوين البشر منذ الطفولة. أول مظاهرها التعليم. لقد تعلمت فى مدارس كانت بيوتاً للثقافة. كانت فيها جماعات للشعر والموسيقى والسينما والمسرح والفن التشكيلى، ومكتبة مفتوحة لنا نقرأ فيها حصتين أسبوعياً ما نشاء، ونستعير منها الكتب، وكان التعليم الحكومى مجانياً. مصاريف المرحلة الابتدائية فى العام حوالى جنيه ونصف الجنيه، وفى الإعدادية كانت جنيهين ونصف الجنيه، وفى الثانوى ثلاثة جنيهات ونصف الجنيه، والمتفوقون أمثالى الحاصلون على تقدير أكثر من خمسة وسبعين فى المائة فى المجموع النهائى فى امتحان العام، يدفعون نصف المصاريف. لقد دخلت المدرسة عام 1952.
ظل الأمر كذلك حتى بداية السبعينات وسياسة الانفتاح الاقتصادى، وبدء الظهور الكبير للمدارس والجامعات الخاصة، فارتفعت أسعار التعليم الآن فى المدارس الحكومية إلى حد كبير جداً، وفى المدارس الخاصة إلى حد الجنون، خاصة بعد تأخر الدولة فى بناء مدارس جديدة. كانت الدولة حتى نهاية الستينات تبنى مدارس فى كل مكان. كان الشعار «مصنع كل عشرة أيام ومدرسة كل سبعة أيام»، وعشت ذلك. التعليم الآن فى المراكز الخارجية أو ما يسمونه السناتر، وحتى المدارس المفتوحة لا ترى فيها نشاطاً ثقافياً كما عشت أنا. لا أنسى فيلماً وثائقياً أنجزته القناة الثقافية معى عن الإسكندرية فى نهاية التسعينات. ذهبت فيه إلى مدرسة طاهر بك الإعدادية بالورديان حيث كنت فيها. التقيت بناظر المدرسة الذى بالمصادفة كان زميلاً لى فى المدرسة نفسها. لم نكن قد وصلنا إلى الستين من العمر بعد، ولا أُحلنا إلى التقاعد. طلبت منه أن أدخل المكتبة ليتم تصويرى فيها، فضحك وقال، أين هى المكتبة يا إبراهيم؟!. المكتبة مغلقة والتلاميذ لا يأتون، والذى يأتى يقفز من فوق السور بعد ساعة أو ساعتين ليتعلم بالدروس الخصوصية! ضاعت «صيحة» طه حسين عن التعليم، وكيف يجب أن يكون كالماء والهواء، التى تحققت فى الخمسينات والستينات. هذا أول مظاهر القصور فى تأثير القوة الناعمة.
أقابل أحياناً على صفحات تويتر أو الفيس بوك أصحاباً لى نسيتهم، كانوا معى فى التعليم وصاروا علماء أو فنانين أو كُتاباً فى بلاد مختلفة من العالم، ونتذكر كيف تعلمنا. بعد ذلك يأتى دور الدولة فى ترويج الثقافة. مشروع عظيم مثل مكتبة الأسرة كان يتيح الكتاب بجنيه أو جنيهين اختفى. أسعار الورق ارتفعت إلى السماء، فارتفعت معها أسعار الكتب. لا أنسى حضورى من الإسكندرية عام 1969 لأول معرض دولى للكتاب بالقاهرة ومعى سبعة جنيهات، وكيف عدت ومعى كتب تملأ صندوقين من الورق. الآن الألف جنيه قد تشترى بها كتابين أو ثلاثة أو كتاباً واحداً. كتبت كثيراً أطالب الدولة برفع الضرائب عن أسعار الورق، الذى صرنا نستورده بعد أن كانت لدينا شركات لصناعته، مثل راكتا وغيرها ضاعت ولا فائدة. أسعار إيجار الأماكن فى معرض الكتاب وصلت إلى عنان السماء، وبالتالى ليس أمام دور النشر غير رفع سعر الكتب لتعويض ذلك. أيضاً طالبت وما زلت أطالب وزارة الثقافة بأن تدعم ترجمة الأدب المصرى إلى لغات أخرى، كما يحدث فى دول مثل السعودية أو عُمان أو الخليج لكتابهم. الآن لا تتم الترجمة إلا للكتب التى تفوز بجوائز عربية على نفقة الجائزة نفسها. كم مصرياً يفوز كل عام؟ اثنين أو ثلاثة. الترجمة إلى لغات أجنبية تزيد السياحة إلى مصر.
بعد أن فاز نجيب محفوظ بنوبل واتسعت ترجمة أعماله، زادت وفود السياحة لترى الأماكن التى كتب عنها. أعرف أن الأمر ليس بيد وزارة الثقافة وحدها، لكن على الدولة دور كبير فى ذلك. السينمات تم هدم أكثرها منذ السبعينات وظهور الإخوان المسلمين مع «السادات» والأفكار الوهابية باعتبار السينما والفن حراماً، وتحول ما هدم منها إلى عمارات ومولات أو مصانع وصالات أفراح. كانت مصر يوماً فى الأربعينات والخمسينات تسمى فى العالم بهوليوود الشرق، وكان الإنتاج السينمائى لا يقل عن سبعين فيلماً فى العام. الآن بالكثير خمسة عشر فيلماً وكلها عن الحوارى والعشوائيات تقريباً، لتدخل الرقابة التى صارت ضد أى أفكار كبيرة. تم احتكار صناعة السينما والمسلسلات التى أيضاً لا تزيد على عشرين فى العام، وكانت من قبل تصل إلى الخمسين. كانت صناعة السينما حتى الستينات المصدر الثانى للدخل القومى بعد القطن، لكن انتهى ذلك، كما انتهت زراعة القطن أيضاً. للأسف القوة الناعمة الآن فى خلفية المشهد وهى صانعة الإنسان الأولى والأهم من كل شىء.
لا نعيش أزمة نقد أدبى ولكن الإنتاج الإبداعى فى الرواية والقصة القصيرة والشعر كبير جداً.. وبعض الكُتاب حين يرون النقد لا يتناول كتاباتهم يتصورون أن الأمر مقصود
■ رغم أنك تتخذ الإسكندرية دائماً كمكان لرواياتك، حيث التنوع الثقافى للمدينة الساحلية ذات الطبيعة الكوزمبوليتانية، إلا إنك دائماً تؤكد سمات الهوية المصرية بما لها من تأثير فيمن حولها.
الهوية المصرية لم تعنِ أبداً العنصرية. بل تعنى قبول الآخر. هذا على مر التاريخ حتى السبعينات اللعينة وما جرى فيها من تحالف بين الدولة والإخوان المسلمين والتفكير الوهابى. لقد رفع المصريون فى مواجهة الاحتلال البريطانى شعار «مصر للمصريين»، لكن مصر انفتحت لكل المهاجرين إليها المضطهدين فى بلادهم من الاحتلال العثمانى أو الإنجليزى أو الفرنسى، أو أصحاب الطموح الكبير لمشروعاتهم الاقتصادية، فوفد إليها الأرمن واليونانيون والطليان والشوام وبقية العرب واليهود وغيرهم، وأسهموا فى الصناعة والثقافة فى السينما والمسرح والمجلات والصحف وكانوا من رواد النهضة.
عرفت الإسكندرية ذلك كله لكنه للأسف بدأ ينتهى مع سياسة جمال عبدالناصر فى الخمسينات والستينات، فخرجت الجاليات الأجنبية وصار كل شىء فى يد الدولة. وفى السبعينات كما قلت بدأت الأفكار الوهابية التى جعلت الآخر من الجنسيات أو الديانات الأخرى عدواً، وبدأ الإرهاب الذى عشناه. انتهت قوانين البناء التى كانت تجعل البناء لا يزيد فيه ارتفاع المبنى على عرض الشارع بمرة ونصف، فصارت العمارات العالية فى شوارع عرضها ستة وعشرة أمتار، فتحولت إلى أوكار للإجرام وغير ذلك. انتهت تقريباً كل سينمات الإسكندرية فى الأحياء الشعبية ومسارحها على الشاطئ وملاهيها الليلية التى كانت تأتى إليها فرق الموسيقى من العالم، وانتهت حتى رؤية البحر فى السنوات الأخيرة إلا فى المنطقة من الشاطبى للأنفوشى حيث الميناء الشرقية، لكن من الشاطبى للمنتزه لا ترى البحر، وثمة كثير يمكن قوله عن المدينة التى كانت عالمية لكنها ضاعت.
مواجهة التطرف تتطلب اهتماماً من التعليم والأزهر والمساجد.. وكتبت فى مقالاتى عن أوهام الإخوان لوجود دولة الخلافة فهم صناعة إنجليزية لشق الصف الوطنى كما صنعت بريطانيا إسرائيل بوعد بلفور لشق الصف العربى
■ التسامح.. هو الملمح الذى لا تغفله أبداً فى الكتابة.. رغم تشظى شخوصك أحياناً.. كيف ترى التشدد من وجهة نظرك؟
- التشدد هو آفة حارتنا الآن، وللأسف وصل إلى كثير من الأجيال الجديدة، والأمر يحتاج اهتماماً كبيراً من التعليم ومن الأزهر ومن المساجد، ومن كل مَن فى يده صناعة الإنسان. ولقد أوضحت سببه فى الإجابات السابقة، وكيف يكون علاجه.
■ كيف رأيت السنة التى حكم فيها جماعة الإخوان مصر؟
- رأيتها كما كتبت فى مقالاتى وقتها محذراً من أوهامهم فى دولة الخلافة وغير ذلك. الإخوان فى الأصل صناعة إنجليزية لشق الصف الوطنى، تماماً كما صنعت بريطانيا إسرائيل بوعد بلفور لشق الصف العربى.
■ ما الذى يتوجب فعله كى نحافظ على النشء ونحميه من الأفكار الهدامة؟
- التعليم ثم التعليم ثم التعليم، وما تحدثت به عن بعض المشكلات الثقافية، مثل أسعار الكتب، وأن تكون الحياة الاقتصادية سهلة على الأهل ليجدوا الوقت لأبنائهم.
■ الدعوة السلفية لها وجود فاعل نوعاً ما فى الإسكندرية، فهل أثر ذلك على المجتمع هناك؟
- تأثير كبير جداً. فى الملبس مثلاً فالشائع الآن فى معظمه لبس الصحراء. فى السلوك والتعامل مع المرأة باعتبارها كائناً أقل قيمة من الرجل. نظام المبانى الذى شهد أول المخالفات الكبيرة فى السبعينات، حين أصدر «السادات» وقتها قراراً بأن مَن يبنى مسجداً فى البيت، يُعفى من أى مخالفات للمبانى، فظهرت المبانى المخالفة لقانون البناء، وحولت الأماكن، خاصة جنوب المدينة، إلى عشوائيات. بمعنى زحام رهيب فى شوارع ضيقة، ورغم أن «مبارك» ألغى هذا القرار فلا يزال العمل به سارياً، وصار المسجد الصغير أو الزاوية أسفل البيت وسيلة لعدم الالتزام بالقانون. الحرية على الشواطئ فى الملابس ضاعت. وغير ذلك كثير، وكتبت عنه كثيراً فى مقالاتى. لقد مرت الإسكندرية بثلاث مراحل فى تاريخها. الأولى حين كانت مدينة العالم تحترم الآخر، وبها جاليات أجنبية وشواطئ مفتوحة وسينمات وملاهٍ ومسارح. ثم مرحلة ثانية بعد أن تم إجبار الجاليات الأجنبية على مغادرة المدينة لتكون مصرية خالصة، لكن أهل الإسكندرية رغم ذلك لم يتخلوا عن عاداتهم فى التسامح وتقبل الآخر. ثم مرحلة ثالثة بدأت مع السبعينات كما قلت مع سياسة السادات والإخوان المسلمين، لتكون مدينة سلفية وهابية. وانطبق عليها سؤال فاتن حمامة فى فيلم «دعاء الكروان» لأمها «وين هنادى يا ماى؟!» فيقول خالها قاتل هنادى «راحت فى الوبا» للأسف انتهت الإسكندرية التى عرفناها وعرفها العالم.
■ حدثنا عن الشخصية المصرية من خلال رؤيتك، وما أصعب التحديات التى تواجهها وكيف يمكن التغلب عليها؟
- الشخصية المصرية مهما مر عليها من تغيرات، قادرة على تجاوزها مهما طال الزمن. وعلى الدولة أن تستمع لأصوات المفكرين محبى الوطن، وما أكثرهم.
■ كيف ترى الواقع الروائى فى مصر؟ وهل فعلاً نحن فى عصر الرواية؟
- الواقع الروائى فى مصر عظيم ومتنوع ما بين الأدب المعروف والخيال العلمى والأدب البوليسى وأدب الأطفال والفتيان. لى مقال قديم نشرته عام 1975 فى مجلة الهلال أو المصور، لا أذكر بالضبط، قلت فيه إن الرواية ديوان العرب، قبل أن يقول غيرى عصر الرواية. وبالمناسبة عصر الرواية لا يشمل مصر فقط لكن كل العالم العربى والعالم.
■ حدثنا عن المشاريع الشبابية التى تتابعها وتنتظر منها جديداً دائماً فى الأدب عموماً.
أقرأ بقدر ما أستطيع للكثير من الشباب، بل ومن كل الأجيال. لكن كما قلت أخشى ذكر الأمثلة فقد أنسى، فأنا الآن أنسى حتى ما أكتبه للأسف، لكنى كتبت -وما زلت- عن الكثيرين.
ذهبت لمدرستى لتصوير فيلم ثقافى عن المدينة وطلبت من الناظر دخول المكتبة فقال: «المكتبة مغلقة!»
■ هل نعيش فعلاً أزمة نقد أدبى؟ ولماذا؟
لا نعيش أزمة نقد أدبى، بل إن كل ما فى الأمر أن الإنتاج الإبداعى فى الرواية والقصة القصيرة والشعر كبير جداً لا يمكن أن يحيط به أى ناقد وحده. وبعض الكُتاب حين يرون النقد لا يتناول كتاباتهم، يتصورون أن الأمر مقصود وأن النقد فى أزمة، ولكن هناك ندوات ولقاءات كثيرة حول الإبداع، وصفحات كثيرة إلكترونية عن النقد الأدبى وكذلك توجد دراسات جامعية، لكن كما قلت الإنتاج الإبداعى كبير جداً، والنقاد مهما بلغت أعدادهم فلن يستطيعوا متابعته كله.
ترجمة الأدب المصرى إلى لغات أجنبية تزيد السياحة إلى مصر وطالبت وزارة الثقافة -ولا أزال- بدعمها
■ لماذا الإسكندرية؟
أنا كتبت الكثير من الروايات عن القاهرة والصحراء، لكن دائماً بحكم نشأتى يقولون عنى «سكندرى». هناك تقريباً عشر روايات لى تدور عن القاهرة، وحققت رواجاً كبيراً لا يقل عن رواج رواياتى عن الإسكندرية. لقد كتبت عن الإسكندرية كثيراً فى البدايات، لأن الأمر كما يقولون «العلم فى الصغر كالنقش فى الحجر» وبعد ذلك تغيرت كتابتى ودخلت القاهرة، وكانت أول رواية عنها تقريباً عام 2003 بعد أن عشت بها ثلاثين سنة، لكن تغيرت معالمها، فصارت مثل الإسكندرية حلماً بعيداً.
دور النشر والقصة القصيرة
دور نشر كثيرة تنشر القصص القصيرة رغم أن قُراءها أقل. لدينا كُتاب رائعون يكتبون القصة القصيرة، وأنا لا أحب أن أذكر أسماء حتى لا أنسى أحداً فيظن أننى أهملته عامداً، لكن عشرات المجموعات القصصية تنشر كل عام وتجد من النقاد من يحتفى بها، كما اتسعت مساحة الاهتمام بها على شبكات التواصل الاجتماعى، مثل الفيس بوك وغيره.