«شهادات من قلب المأساة».. «عمر» خاض «صراعاً مع الموت» فى غزة ومصر أعادته للحياة (تحقيق)
«شهادات من قلب المأساة».. «عمر» خاض «صراعاً مع الموت» فى غزة ومصر أعادته للحياة (تحقيق)
فى قلب حى «تل الزعتر»، شمال مدينة غزة، وتحديداً فى مخيم «جباليا»، أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فى القطاع، الذى يعد أكثر المناطق فى الأرض المحتلة اكتظاظاً بالسكان، بدأت حكاية الطفل «عمر حسن أبوريا»، صاحب التسعة أعوام، الذى نشأ بين أزقة المخيمات، وأصوات القصف، وصواريخ الاحتلال الإسرائيلى، ليس فقط مجرد طفل صغير، لم يعش طفولته، ولم تر عيناه سوى الجدران المتهالكة، وإنما أصبح مريضاً يعانى من «الصرع»، الذى ينهش حياته ببطء، حيث يتعرض لنوبات مميتة، كانت تتجاوز سبع مرات خلال اليوم، دون علاج أو أمل.
خلال العدوان الإسرائيلى على غزة، تضاعفت مرارة ما يتجرعه المصابون بالصرع فى القطاع الفلسطينى المحاصر، فتضرب قلوبهم نوبات الهلع، وتضيق حول أعناقهم حلقات الاكتئاب، وتحاصرهم أسوار القلق الشاهقة، وتستفرد بهم الذكريات الصادمة، وعندما يكون الموت هو القاعدة، والحياة استثناء، يصير الحديث عن الحالة النفسية نوعاً من الرفاهية، وهذا ما يعايشه الفلسطينيون فى غزة، بعد تدمير الاحتلال لمستشفى الطب النفسى الوحيد فى الشهر الأول من حرب الإبادة الجماعية، التى حصدت أرواح الآلاف من السكان، وتسببت فى تدمير العيادات الخارجية الخمس فى مختلف مناطق القطاع.

ربما لا يختلف سواد الليل عن ضُحى النهار فى حياة الطفل «عمر»، لا فجر يُبشر بالفرج، ولا ليل يداوى أنين جسده الصغير، كل ذرة، وكل حبة حصى فى المخيم شاهدة على وجعه، وكل حجر فى «تل الزعتر» سمع صراخه، فيما تقف أسرته مكتوفة الأيدى، لا حول لها ولا قوة، حتى جاءت اللحظة التى بدأ فيها «عمر» يستعيد الحياة مجدداً، بعدما احتضنته «أم الدنيا»، وفتحت له أبوابها، داخل مستشفى بنها الجامعى فى فبراير 2025.
«نعمة» نزحت بأطفالها بين مخيمات غزة 5 مرات.. ونفاد الأدوية وقصف المستشفيات ضاعف حالة الطفل
«الوطن» وثقت رحلة الطفل «عمر»، منذ دخوله أرض مصر، ورحلة علاجه التى كانت فصلاً جديداً فى حياته، وخلّفت الكثير من الذكريات، التى ظلت عالقة فى ذاكرة طفل عاش مرارة الفقد والقصف وخيبة الأمل داخل المخيمات، الذى يصارع مرض الصرع، منذ اندلاع الحرب على غزة فى 7 أكتوبر 2023، مروراً برحلة نزوح الأسرة، وأسر والده، واضطرار والدته لترك فلذة كبدها وأحد أبنائها الذى لم يتجاوز عامه الرابع عشر بين الصواريخ وأصوات القصف والموت، حتى دخول الأم مصر بأطفالها، وبدء رحلة العلاج داخل «أرض الكنانة».
«فى بداية الأمر، ظهرت على عمر حركات عدوانية ولا إرادية، كان يسقط على الأرض مغشياً عليه لفترات طويلة، وكان يهوى تسلق الأماكن الخطرة دون إدراك، تجده شارداً قرابة 40 ثانية، ويتصبب العرق من جميع أنحاء جسده، وهو الأمر الذى كشفته معلمته داخل الروضة»، بهذه الكلمات شرحت «نعمة أبوريا»، والدة الطفل، لـ«الوطن»، الحالة الصحية لطفلها الصغير، الذى كان يعانى آلاماً متفرقة، كادت تنهى حياته.

لم تُمهل الحرب الإسرائيلية التى اجتاحت القطاع، الطفل فرصة لمداواة أوجاعه، فبعد مرور أيام بدأت أعراض الصرع تسيطر على جسد «عمر»، كما نفد مخزون الأدوية، الذى كانت الأم تحاول الحفاظ عليه، ظناً منها أن الحرب لن تستمر سوى أيام قليلة، لكن سرعان ما ساءت الحالة وتفاقم الوضع، وأضافت الأم الأربعينية، التى لا حول لها ولا قوة: «خلصت أدوية مرضى الصرع والنفسى، ومنذ ذلك الحين تفاقمت حالته الصحية، وظل لمدة 5 أيام مرتخى الأعصاب، بدون طعام أو شراب أو دخول للحمام، كما فقد الحركة والنطق والإدراك، بجانب التبول على نفسه، ما جعلنى أضطر لاستعمال الحفاضات، لفترة ليست قصيرة، بسبب نفاد الكميات فى القطاع بأكمله، خاصةً بعد نفاد كل المستلزمات الطبية والصحية من المستشفيات والصيدليات».
الأم: نوبات الصرع تجاوزت 7 مرات فى اليوم.. ووزن الطفل تراجع إلى 14 كيلوجراماً أثناء «حرب الإبادة»
عاشت الأم فصلاً جديداً من الألم داخل مستشفى «اليمن السعيد»، أحد المستشفيات التى أصبحت رمزاً لمعاناة المدنيين منذ اندلاع الحرب، والتى شنت طائرات الاحتلال غارات عنيفة على محيطها فى 9 أكتوبر 2024، مستهدفة خيام النازحين القريبة من المستشفى، وكانت أسرة الطفل «عمر» من بين النازحين هناك، إذ نزحت الأم بأطفالها الأربعة، لمدة 18 يوماً، حتى تعرض المستشفى للقصف والحصار، وأضافت: «الوضع كان فى غاية الصعوبة، وتدهورت حالة عمر بعد رؤيته للدماء والقصف والنيران من حوله، مروراً بالجثث التى أصبحت أشلاء، خاصة بعد تعرض أشقائى وأطفالهم للضرب، وحرق الخيمة التى كانت تؤوينا، وقتها كنا نحتمى فى البدروم، وأدعو الله ألا يصيبنى أذى حتى لا يعيش أطفالى مرارة الفقد، كما كنت أتوسل إلى الله ألا أذوق فى أولادى الألم ذاته».

حاولت الأم البحث عن «تروللى» لحمل طفلها ونقله إلى مستشفى آخر لا يزال قيد الخدمة، بعد تعرض العديد من المستشفيات فى القطاع للقصف والتدمير، ونفاد المعدات والأجهزة الطبية، ومع البحث، استطاعت الأم اصطحاب ابنها إلى مستشفى آخر، وقالت: «كنت باشيله كل يوم وأرجع بيه، لحد ما المستشفيات اتقصفت، وبقت غير قادرة على العمل».
فرضت ظروف الحرب على والدة «عمر» ترك زوجها فى شمال القطاع، والنزوح برفقة أطفالها إلى الجنوب، بعد اشتعال النيران فى الخيمة التى كانت تعيش فيها مع شقيقتها، خاصة مع تدهور الحالة الصحية لطفلها، فقد سافرت سيراً على الأقدام، وهى تحمل طفلها على كتفها لأكثر من 10 ساعات، وما يقرب من 41 كيلومتراً، بينما تولت الابنة الصغرى «ميرال»، صاحبة الـ15 عاماً رعاية أشقائها، وكانت تحمل شقيقها الأصغر «صلاح»، الذى لم يُكمل عامه الثالث بعد، وتابعت الأم متنهدةً بصوت غلبه الصبر وقلة الحيلة: «مع سوء حالة عمر الصحية، حاول زوجى النزوح إلينا من الشمال، حتى يوفر لنا خيمة نعيش فيها أنا وأولادى، لكن الاحتلال قام باحتجازه عند حاجز نتساريم، ولم نسمع عنه منذ ذلك الحين».
بعد أن تعرض زوجها للأسر على يد قوات الاحتلال على الحاجز الأمنى، الذى أقامه جيش الاحتلال ليفصل بين شمال وجنوب القطاع، وجدت الأم نفسها وحيدة بلا مأوى ولا سند، تواجه صواريخ الاحتلال والقصف، لم يكن لديها سوى خيمة شقيقتها، التى لجأت إليها مع أطفالها، لتبدأ فصلاً جديداً من النزوح للمرة الخامسة، امتد لنحو 11 شهراً داخل خيمة لا تقى برداً ولا تحجب قصفاً، ورغم قسوة الظروف، ظلت تحاول يوماً بعد يوم لإنقاذ طفلها «عمر»، الذى تتدهور حالته الصحية تدريجياً، دون توفر أى علاج أو رعاية طبية مناسبة.
مع اشتداد الألم والجوع الذى كانت تواجهه، إلى جانب المرض، لم تكن الأم قادرة إلا بالكاد على توفير لقمة صغيرة تسدّ بها جوع أطفالها، التى تحصل عليها كل يومين أو أكثر، حيث انقطعت الأخبار عن زوجها الأسير، فلم تعد تصلها أخبار عنه، إذ أخبرها المحامى، الذى يباشر البحث عنه، بأنه تم نقله إلى سجن «المسكوبية»، وهو أحد أكثر معتقلات الاحتلال التى تمارس فيها أقسى أنواع التعذيب النفسى والجسدى على الأسرى الفلسطينيين، ويقع فى منطقة القدس الغربية، وكان يُعرف فى السابق باسم «المجمع الروسى».
«نعمة»: لا أعرف إن كان زوجى ما زال حياً أم توفى فى سجون الاحتلال.. وابنتى الصغرى تحملت عبء رعاية أشقائها
«حالة زوجى الصحية صارت صعبة للغاية، أبكى على فراقه طوال الوقت، لا أعرف هل ما زال على قيد الحياة أم انتقل إلى جوار ربه، ليرحمه من قسوة التعذيب والتنكيل داخل السجن»، وواصلت الزوجة، التى أصبحت العائل الوحيد للأسرة التى شردتها الحرب على غزة، الحديث عن آخر أخبار وصلت إليها عن زوجها بقولها: «كان زوجى بوزن 56 كيلوجراماً، قبل تعرضه للأسر من قبل الاحتلال، وبسبب المجاعة ونقص الطعام، نقص وزنه إلى 41 كيلوجراماً، كما أصيب بجلطة شديدة، وبعدها انقطعت أخباره بشكل تام».
لم تجد «نعمة» أمامها خياراً سوى التفكير فى ترك أرضها التى وُلدت وعاشت عليها منذ أن فتحت عينيها على الدنيا، أملاً فى الوصول إلى مصر، حتى يمكن لطفلها الحصول على العلاج اللازم قبل فوات الأوان، وأضافت: ««قدّمت على تحويلة علاج طبية والحصول على مستخرج مختوم من وزارة الصحة الفلسطينية، تفيد بحاجة ابنى للعلاج خارج أرض الوطن، والتى كانت موجهة لمصر فى مارس 2024، ومنذ تلك اللحظة وأنا أحاول البحث عن طريقة تضمن لأطفالى حياةً آمنة يعيشون فيها بسلام أسعى جاهدة لتوفير الطعام والشراب، الذى بالكاد نحصل عليه».
أجبرت الحربُ أهل غزة على الكفاح من أجل الحصول على طعام يسد رمقهم، إذ يقفون فى طوابير لساعات، بل تمتد لأيام، أمام مراكز توزيع المساعدات الغذائية، يصارعون من أجل البقاء، وفى أيديهم أوعية فارغة، حيث تقف أجساد متعبة لأشخاص أنهكهم الفقر والخوف والجوع، فلم تعد الحرب تُفرق بين رضيع ولا كهل فى نهاية العمر، الجميع يقف سواسية، ينهش الجوع أحشاءهم بصمت قاس، يخرجون من خيامهم، التى أصبحت ملاذهم الوحيد بعد أن قُصفت منازلهم، ليعيشوا وسط الركام الذى خلّفته قنابل الاحتلال، فى مشهد لا يحمل سوى الألم والحرمان.
هذا هو واقع والدة الطفل «عمر»، التى كانت واحدة من أولئك الذين يصارعون الموت يومياً حتى يبقى قلب صغارها ينبض بالحياة، حيث كانت تخرج من خيمتها ولا تعلم إن كانت ستعود إليها مجدداً، أم ستتحول إلى جثة هامدة، برصاصة أو قذيفة بلا رحمة، وتابعت والدموع تملأ عينيها: «القصة كانت فى غاية الصعوبة، خاصةً أن زوجى كان بعيداً عنى، كانت السلع غالية جداً، ولم أكن أستطيع تحمل ثمنها، كما أننى لم أكن أملك المال لفترات طويلة، كنت دائماً أضع دواء عمر فى المقام الأول، حيث كان يجد صعوبة كبيرة فى المضغ والبلع، مما جعلنى أعطيه الأولوية على باقى أشقائه».
«الاعتماد الأكبر فى السلع الغذائية كان على الدقيق، كنتُ أقف فى طوابير للحصول على البسكويت المُدعم للأطفال، الذى يحتوى على الفيتامينات والمكملات الغذائية من قِبل المؤسسات، بسبب افتقاد الوجبات التى نتناولها للسكريات التى تُعطى الطاقة، لذا كنا نعوضها بالبسكويت»، هكذا وصفت الأم المعاناة الكبرى التى واجهتها بعد أسر زوجها واشتداد ليالى الحرب، التى لا تزال قائمة حتى هذه اللحظة، مضيفة: «كنا نقضى أياماً كثيرة دون الحصول على رغيف خبز واحد، والجوع كان يقرص بطون أطفالى وأنا أقف مكتوفة الأيدى، كان البعض يُعطى الأطفال أوعية فارغة كنوع من الإلهاء، وآخرون كانوا يُقاسمون الطعام مع أسر أخرى».

ذاقت «أم عمر» مرارة الفقد فى فلذات كبدها وهى لا تزال على قيد الحياة، بعدما أجبرتها الحرب على اتخاذ القرار الأصعب، القرار الذى لا يُفرض على قلب أم، فمن تختار من بين أطفالها؟ فكيف لأم أن تترك طفلها، الذى لم يبلغ عامه الـ13 بعد، وحيداً وسط القصف وصواريخ الاحتلال الإسرائيلى، وتذهب إلى مكان آخر حيث الأمن والاستقرار، بعيداً عن غزة؟ كيف لها أن تعيش وقلبها ممزق إلى نصفين، نصف معها آمن ومطمئن، ونصف آخر تركته تحت القصف ونيران الاحتلال؟ هذا هو ما عاشته «نعمة»، بعدما حصلت على موافقة من وزارة الصحة الفلسطينية لعلاج طفلها «عمر» فى مصر، بعد أن ساءت حالته الصحية وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت، وتابعت بقلب محطم ينفطر على طفلها: «أول ما فتحوا الطريق على الشمال نزحت، وبعد أسبوع جيت على مصر، اضطريت أترك ابنى محمد فى غزة، الذى يعانى من الكبد الوبائى والصفرا، بسبب قلة الأكل وتناوله للعشب، لأن قرار الاحتلال كان يجبرنا على اصطحاب شخص فوق الـ18 سنة وآخر تحتها، فأخذت ابنتى ميرال وابنى صلاح، حتى أتمكن من علاج ابنى عمر فى مصر، وقتها أخدت محمد على المستشفى، حتى يقبلوا أن نذهب به إلى مصر، لكن هذه الخطوة قوبلت بالرفض قطعياً».
«عمر» وصل مستشفى بنها الجامعى فى «غيبوبة تامة».. وفريق من الأطباء المصريين نجح فى إنقاذ حياته
استطاعت «نعمة» دخول «أرض الكنانة» فى فبراير 2025، لتبدأ فصلاً جديداً فى حياتها، بعيداً عن طائرات الاحتلال والقصف والخوف، الذى لم تفارق ملامحه أعين صغارها، وذلك حتى يتلقى طفلها المصاب بالصرع العلاج الذى قد يمنحه حياة آمنة، لا يشوبها ألم ولا وجع، وروت تفاصيل رحلتها إلى مصر، قائلةً: «لم أكن أستطيع تحمل الرحلة وحدى، بدون زوجى الذى كان يرافقنى فى كل شىء، كنا نتقاسم الحياة معاً، لكن هذه هى اختبارات الحياة، فلم يكن فى استطاعتى حتى حمل الحقائب، إذ كنتُ أحمل (عمر) على كتفى، وابنتى الصغرى كانت تحمل شقيقها (صلاح)، أما عيون الاحتلال فكانت تلاحقنا فى كل لحظة، حتى وصلنا، بحمد الله، إلى معبر رفح المصرى، وهناك استقبلتنا الأطقم الطبية بالإسعافات الأولية وعربات الإسعاف، وقاموا بالإجراءات اللازمة، ثم وزعوا الحالات المرضية على المستشفيات، وكان مستشفى بنها هو الذى استقبل حالة عمر».
وصل وزن الطفل «عمر» إلى 14 كيلوجراماً فقط، بسبب سوء التغذية الذى عانى منه داخل غزة، ومنذ لحظة وصوله إلى المستشفى تم وضعه على أجهزة التنفس داخل غرفة العناية المركزة، حيث ظل بها قرابة 14 يوماً، يعانى من تشنجات قوية ومتكررة، حاول الفريق الطبى توفير الأدوية التى كان يعتمدها الأطباء الفلسطينيون، لكن دون جدوى، مما دفع الأطباء المصريين لتوفير بدائل مناسبة، وبعد ذلك، دخل فى غيبوبة تامة، لكن مع العلاج المكثف بدأت حالته فى التحسن تدريجياً، ليعود الأمل من جديد إلى قلب الأم، التى لم تتوقف عن الدعاء بأن يحفظ الله طفلها، واستطردت خلال حديثها: «بعد ما فاق عمر، بدأ يرجع له صوته، وابتدا يصرخ جوه العناية، رجع له الإحساس والإدراك، بقى يضحك ويبكى، ويطلب دخول الحمام، وقتها حسّيت إن ربنا استجاب لدعائى».
رحلة علاج الطفل «عمر» لم تكن سهلة، كما وصفتها والدته، فقد واجه الطاقم الطبى داخل مستشفى بنها الجامعى تحديات كبيرة، بدأت بمحاولة التشخيص الدقيق لحالته المعقدة، إذ خضع لأشعة رنين مغناطيسى لتحديد بؤرة المرض، ومعرفة مدى تأثير التشنجات على الدماغ، حيث قالت الأم: «أصيب عمر بأعراض كثيرة، منها سوء التغذية، وصعوبة شديدة فى البلع، وكان جسمه هزيلاً لا يقوى على الحركة ولا حتى الكلام، لكن مع العلاج والغذاء، والحب والرعاية، وصل وزنه اليوم إلى 23 كيلوجراماً».

بعد مرور ما يقرب من 8 أشهر، وهى المدة التى قضاها «عمر» فى مصر، أصبح اليوم قادراً على النوم مطمئناً، بعدما كان يستيقظ من سباته على أصوات صواريخ الاحتلال والقصف وحرائق الخيام والجثث المتناثرة والأشلاء التى كانت تملأ الطرقات، كما نعم أشقاؤه بالراحة والاستقرار، وتمكن «عمر» من إنهاء كورس العلاج المكثف الذى وضعه الطاقم الطبى داخل مستشفى بنها الجامعى، ولا تزال مصر تفتح أبوابها وأحضانها للأشقاء غير المصريين، حيث تقيم الأسرة حتى الآن داخل المستشفى، فى قسم الباطنة الذى خصصه المستشفى للوافدين من أهل فلسطين، كان هذا الجناح يضم، فى بداية الرحلة، نحو 18 حالة، أما الآن فأصبح يضم 7 حالات فقط.
رغم الحياة الآمنة التى تعيشها الأم اليوم، إلا أن قلبها لا يزال ممزقاً، بعدما اضطرت لترك ابنها الثالث داخل غزة هناك، حيث لا يزال يعانى من الجوع والخوف، ويعيش تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلى، لتبقى فرحتها باكتمال علاج طفلها «عمر» فرحة ناقصة، إذ إن فلذة كبدها الآخر ما زال محاصراً، بعيداً عن حضنها الملاذ الوحيد له، حيث قالت الأم بصوت مخنوق بالألم: «محمد عايش مع أهل والده فى خيمة، بيجمعوا حطب وميه، وبياكل من العشب أو أى حاجة يقدروا يوفروها من المساعدات، ما بقدرش أتواصل معاه بسبب انقطاع الإنترنت وشبكات الاتصال اللى بتغيب أوقات بالأسبوعين، وفى آخر مكالمة بيننا كان يبكى بكاءً شديداً من الخوف والجوع، ومن المرض اللى أنهك جسمه الصغير».

الأم: الرئيس السيسى منحنا فرصاً لنحيا من جديد.. و«أم الدنيا» احتضنتنا بعد مواجهة مريرة مع الموت والفقد
واختتمت الأم الفلسطينية حديثها بقولها: «مصر أم الدنيا، ستظل آمنة برئيسها وشعبها وحكومتها، أتوجه بالشكر من أعماق قلبى إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى منحنا الفرصة لنحيا من جديد، بعد أن كدنا نفقد الأمل وسط ركام الحرب»، هذه هى الرسالة التى وجهتها الأم الفلسطينية إلى الشعب المصرى، بعدما نعمت بالرخاء والاطمئنان داخل أرض الكنانة، وبعدما احتضنت طفلها الذى كان يُصارع الموت، وأضافت: «شكراً لمصر، التى فتحت لنا أبوابها وأحضانها دون تردد، شكراً لهذا الشعب الكريم، الذى لم يبخل علينا بشىء، الطاقم الطبى عانى معنا، وكان هناك اهتمام شديد بحالة عمر المستعصية، فالأطقم الطبية داخل مصر من أحسن ما يكون، اهتموا بطفلى طريح الفراش حتى تحسنت حالته من جديد، دعواتى لكم جميعاً، قيادةً وشعباً وأطباء».