مهرجان الفسطاط الشتوي.. بداية سنوات الحصاد

محمد صلاح

محمد صلاح

كاتب صحفي

الشىء الرائع فى كل الأحداث والاحتفاليات التى تشهدها مصر حالياً، أنها تأتى كختام لطريق طويل من العمل والتضحيات، ولم تكن أبداً نبتة شيطانية ظهرت فى صحراء بلا ماء، بل كانت كغيرها من باقى الاحتفاليات محطة وصول لقطار التنمية بمساريه الفنى والجغرافى.

تدشين وافتتاح مهرجان الفسطاط الشتوى، الذى يأتى تتويجاً لجهد كبير فى تطوير مناطق الفسطاط ومصر القديمة، حيث بدأت المسيرة بنقل سكان العشوائيات الخطرة فى هذه المنطقة إلى مساكن آدمية تليق بهم وبالقيمة الحضارية للجمهورية الجديدة، وذلك لحماية أرواح آلاف من الأسر المصرية، وإعطاء الفرصة للقيمة التاريخية التى تُمثلها مصر القديمة كمنطقة تضم عواصم مصر فى مختلف العصور.

ثم بدأ العمل فى إنشاء متحف الحضارات، الذى شهد نقل المومياوات الملكية إليه فى حفل أسطورى مهيب ما زلنا نتذكره جميعاً، وأعاد بعث الروح المصرية من جديد، وبدأنا نرى بحيرة عين الصيرة بعدما سمعنا عنها كثيراً فى المراجع التاريخية، وتم إنقاذها بعد سنين طوال ظلت فيها محاصرة من تلال القمامة والعشوائيات، بدأنا نرى معانى جديدة لمنطقة مجمع الأديان عقب تجديد مكوناتها الغالية على كل مصرى.

شهدنا تجديد قلعة صلاح الدين، والتى بدت تتألق فى ليل القاهرة كنجمة تزين سماء مصر المحروسة، فضلاً عن تطوير مساجد وطريق آل البيت، والاهتمام بالكنيسة المعلقة، باعتبارها محطة رئيسية فى مسار العائلة المقدسة، كما شهدنا تجديد مسجد ومقام الإمام الشافعى والإمام الليث بن سعد، مما جعل المنطقة تبدو كمتحف حضارى إنسانى مفتوح!

كما شهدت المنطقة أعمال إنشاء الخط الرابع للمترو، والذى يربط شرق القاهرة والفسطاط والجيزة وأكتوبر بشريان حياة جديد يضم المتاحف والحدائق، مما يعنى أن كل ما يحدث لم يكن من قبيل الصدفة، وأن كل مشروع جديد وُلد بالمقومات التى تضمن له النجاح والحياة والاستمرارية.

يُعتبر مهرجان الفسطاط الشتوى امتداداً لعدد من الاحتفاليات والمهرجانات، والتى تعتبر من المكونات الرئيسية لاقتصاد الترفيه القائم على المهرجانات والسياحة بمختلف أنواعها، وهو اقتصاد يضمن تدفّق مليارات الدولارات سنوياً دون مجهود، حيث تعتنق مصر استراتيجية طموحة تستهدف أن تكون المقصد السياحى الأكثر تنوعاً وثراءً فى العالم، وتضع لنفسها أهدافاً مهمة من حيث زيادة تدفّق السائحين من 15 مليون زائر العام الماضى إلى 30 مليون زائر بحلول عام 2032.

كما تستهدف مصر نتيجة لذلك زيادة كبرى فى الإيرادات السياحية، وهو أمر يمكن تحقيقه بعدما أهّلت مصر بنيتها التحتية الشاملة بشكل عام، والبنية التحتية السياحية بشكل خاص، مما يعنى أن السياحة من الممكن أن تؤمّن لنا إيرادات هائلة من العملة الصعبة، بما يوازى حصيلة تصدير عشرات المصانع.

هذا بخلاف الفرص الاستثمارية المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالسياحة، وحالة الرواج الاقتصادى التى ستحدث فى مختلف الأسواق المحلية نتيجة إقبال السياح على السلع والخدمات التى يقدمها المنتجون المصريون، أى أن القطاع السياحى اليوم يُعتبر من القطاعات الواعدة، التى من المتوقع أن تسهم بفاعلية فى خلق آلاف الفرص الاستثمارية، والتى ستنتج بدورها عشرات الآلاف من فرص العمل.

وتبقى الحقيقة الراسخة والمهمة، وهى أنه ما كنا لنعبر كل الأزمات والكوارث السياسية التى يمر بها الإقليم اليوم دون إيمان عميق من الشعب المصرى بوطنه، واصطفافه خلف قيادته السياسية الأمينة، إضافة إلى الحكمة الشديدة التى أدار بها الرئيس عبدالفتاح السيسى دفة الأمور، حكمة حولت المؤامرة إلى فرصة، وحوّلت حرب الوجود التى واجهتها مصر إلى بقاء وثبات واستقرار، لتُصبح مصر هى الثابت الوحيد فى معادلة الشرق الأوسط بحسابات الحاضر والماضى والمستقبل أيضاً.