محمد جمال.. صاحب القلب الطيب وملجأ الحيوانات تحولت فرحته إلى جنازة في بنايوس
محمد جمال.. صاحب القلب الطيب وملجأ الحيوانات تحولت فرحته إلى جنازة في بنايوس
كانت الشمس تميل نحو المغيب حين بدأ أهالي قرية بنايوس يتوافدون نحو مسجد القرية.. خطوات بطيئة، ووجوه منهارة، وصوت بكاء مكتوم يشقّ صمت القرية الصغيرة التي لم تعرف يومًا حزنًا بهذا الحجم.
لم يكن المشهد مجرد جنازة.. كان وداعًا موجعًا لروح شابة وادعة، اشتهر صاحبها بين الناس بلقب «صاحب مأوى الرحمة» لاهتمامه برعاية حيوانات الشوارع وإيوائها.. خفيف الظل، وطيب القلب، يمر بين أهل قريته مبتسمًا، محمّلًا بدفء يليق بإنسان اختار أن يعيش للخير.
وداع مهيب.. وانكسار أم ما زالت تنتظر عودة ابنها
احتشد المئات من الرجال والنساء والشباب والأطفال خلف نعش محمد جمال، الشاب الذي لم يتجاوز منتصف العشرينات، والذي كان قبل أيام فقط يخطط لإتمام زفافه.
وبين صفوف المشيعين، ظهرت والدته.. سيدة أنهكتها الصدمة، تمسك بيد شقيقه الأكبر، وتردد في حسرة: «كان بيقولولي نَسمة.. ريحته طيبة وروحه أطيب.. ليه خدوه؟»
لم تستطع الأم أن تستوعب أن ابنها الذي كان يساعدها في تجهيز شقته للزواج سيعود إليها ملفوفًا في كفن، لا يحمل في يده إلا صمته الأخير.
الساعات الأخيرة.. رحلة بحث انتهت بفاجعة
يروي خالد، شقيق المجني عليه لـ«الوطن» تفاصيل أصعب يومين في حياة الأسرة، قائلاً:«محمد خرج من البيت ومارجعش.. قلبنا وقع من أول ليلة. وفي نص تاني يوم اتصل بيا واحد بصوت غريب.. قال إن محمد محتاج 35 ألف جنيه ضروري.. حولّت له المبلغ فورًا.. وبعدها قفل التليفون للأبد».
لم يكن أحد يتوقع أن هذا الاتصال هو بداية خيط الجريمة، وليس طريق نجاة.. بحثت الأسرة في كل مكان، طَرَقوا أبواب المستشفيات، راجعوا الكاميرات، حتى جاءهم الخبر: «العثور على جثة محمد في مصرف مائي أمام قرية الزنكلون».
التحقيقات تكشف الخيط الأول.. «الصديق الخائن»
لم ينتظر خالد كثيرًا، فأبلغ رئيس مباحث مركز الزقازيق مباشرة بالاتصال الغامض.. وبحسب ما كشفته التحريات، أُلقي القبض على 3 أشخاص اشتُبه في تورطهم بالجريمة، بينهم «حلاق» معروف لدى المجني عليه، كان تربطه صداقة بالمجنى عليه.
وأوضحت التحريات أن المتهم استدرج الشاب بحجة حاجة بسيطة، ثم استولى على أمواله وهاتفه، قبل أن تتطور الجريمة إلى قتل ورمي الجثمان في المصرف.
النيابة العامة باشرت التحقيق، وقررت حبس المتهمين 4 أيام على ذمة القضية، وندب الطبيب الشرعي لإجراء الصفة التشريحية وكشف ملابسات ما حدث.
صرخة أم… تطالب بالعدل
وقفت والدة محمد أمام منزله بعد الدفن، وفي يدها صورة ابنها، وتقول والدموع تخنق صوتها:«لو كانوا عايزين الفلوس ياخدوها.. ياخدو الموتوسيكل.. بس سبوه يعيش.. ابني كان خاطب وكنا بنجهّز لجوازه.. قتلوه ورموه زي حاجة مالهاش تمن.. حسبي الله ونعم الوكيل».. كانت كلمات الأم كافية لتبكي جميع من حولها.. فالوجع أكبر من أن يُوصف.
شاب لم يعرف الأذى.. «صديق الحيوانات»
أهالي القرية أجمعوا على أن محمد كان محبوبًا، يساعد المحتاج، يبتسم للجميع، ويشارك في الأعمال الخيرية، وكان عضوًا في جمعية «الرفق بالحيوان» في الزقازيق، يرعى القطط والكلاب، يداوي جراحها، حتى أطلقوا عليه لقب «صديق الحيوانات».
رحل محمد.. لكن أثره ظلّ يلمع في كل حكاية يرويها جيرانه وأصدقاؤه.
صوت القرية يرتفع: العدالة لمحمد
بعد الجنازة عاد الأهالي إلى بيت الأسرة لتقديم العزاء، لكن حديثهم كان واحدًا: مطالبة بالقصاص، وبأن يأخذ القانون مجراه، وأن يحصل «نَسمة بنايوس» على حقه في الدنيا قبل أن يلتقي ربه في الآخرة.
رحل محمد جمال… لكن وجعه باقٍ في قلب كل من عرفه.. وتبقى التحقيقات مستمرة، وتبقى دعوات أمه وشقيقه وأهله خلف جنازته:«الله يرحمك يا محمد.. ونحتسب حقك عند العدل الحق».


